التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥١٧ - الأمر الثالث لزوم تخالف الخبرين لتسويغ التقيّة
فقال لي: «يا بن أشيم إنّ اللّه فوّض إلى سليمان بن داود فقال هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [١]، و فوّض إلى نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٢]، فما فوّض إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقد فوّض إلينا».
و لعلّك بمضمون ذلك تعلم أنّ الترجيح بين الأخبار بالتقيّة- بعد العرض على الكتاب العزيز- أقوى المرجّحات، فإنّ جلّ الاختلاف الواقع في الأخبار، بل كلّه عند التأمّل و التحقيق إنّما نشأ من التقيّة، و من هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخري أصحابنا، فظنوا أنّ هذا الاختلاف إنّما نشأ من دسّ أخبار الكذب في أخبارنا فوضعوا الاصطلاح المشهور في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة، ليتميّز به صحيحها عن سقيمها، و غثّها من سمينها، و أقوى شبهة فيما ذهبوا إليه شيئان:
أحدهما: رواية مخالف المذهب، و ظاهر الفسق، و المشهور بالكذب، و نحوهم.
و ثانيهما: ما ورد عنهم من أنّ لكل رجل منّا رجل يكذب عليه .. و أمثال ذلك، و لم يتفطنوا أنّ هذه الأحاديث التي بأيدينا إنّما وصلت إلينا بعد أن سهرت العيون في تصحيحها، و ذابت في تنقيحها ...
ثمّ ذكر جملة من الأمارات على أنّ هذه الأخبار منقحة عن الأخبار المكذوبة و خالية عن الأحاديث المدسوسة، و شواهد كثيرة على أنّ جلّها صادرة عن الإمام (عليه السلام).
و ظاهر كلامه- كما ترى- يعطي ما نسب إليه، خصوصا بملاحظة قوله إنّ الترجيح بين الأخبار بالتقيّة أقوى المرجّحات، إلا أنّ التأمّل في كلامه يقتضي أنّ غرضه أنّ الاختلاف في الأخبار ليس من جهة وجود الأخبار المكذوبة، بل سرّه التقيّة، لا أنّه عند التعارض يحمل على التقيّة، و لو مع عدم الموافقة للعامة، و ما ذكره من أنّ الترجيح بالتقيّة أقوى المرجّحات؛ مراده في صورة إمكان الترجيح، و هو ما إذا وافق أحدهما لهم، فغرضه أنّه إذا كان الاختلاف في الغالب من جهة التقيّة ففي صورة التعارض و إمكان حمل أحدهما على التقيّة يحمل عليها، و يعمل بهذا المرجّح دون
[١] سورة ص: ٣٩.
[٢] سورة الحشر: ٧.