التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٧٨ - القسم الثاني هو ما لا يكون مقوّيا لمضمون أحد الخبرين
قلت: قد عرفت أنّ الحق أنّ التخيير أخذي، و على تقدير كونه عمليّا فليس نظير الاحتمالين، بل له أن يعمل على طبق هذا الخبر أو ذاك، بحيث يجوز له نيّة الوجوب إذا كان مفاد أحدهما الوجوب، و حينئذ فالحكومة مسلّمة، و لا أظنّ من صاحب المفاتيح جعل التخيير عمليّا صرفا، و على تقديره فالايراد وارد على التحقيق، و إن لم يرد على مذاقه.
و أورد على الوجه الثاني بأنّ قلّة المورد موجبة لقوّة الدلالة و أظهريتها، إلا أنّها إنّما تنفع إذا لم نقل بأنّ الشهرة جابرة أو كاسرة، إذ على تقدير القول بهما نقول إنّ الشهرة على تقديم الموافق توجب وهن أخبار التخيير، و تقوى دلالة أدلّة الأصول، فينبغي تقديمها.
قلت: لا يخفى أنّ مجرد الشهرة على الخلاف أو الوفاق لا توجب الوهن و القوّة، بحيث يكون الموافق لها مقدّما، بل إنّما هو إذا كان في الدلالة ضعف، و يكون ذهاب المشهور إلى خلافه- مع كونه بمرأى منهم و مسمع- قرينة على أنّهم فهموا منه معنى آخر، و المقام ليس كذلك، إذ المفروض أنّ الدلالة تامّة، ثمّ إنّ الشهرة في المقام ليست مطلقة- على ما ذكره المورد- بل إنّما هي إضافيّة بالنسبة إلى التخيير، و إلا فالمشهور على تقديم الناقل، و مثل هذه الشهرة لا تنفع قطعا.
ثمّ إنّ دلالة الأصول لا إشكال فيها من حيث هي، حتى تكون الشهرة جابرة لها، و الحاصل: أنّ مع أظهريّة أحد الخبرين لا ينظر إلى الشهرة إلا إذا صارت إلى حدّ الوهن في الخبر المخالف، و ليس المقام كذلك قطعا، فبعد تسليم الأظهريّة من جهة قلّة المورد لا ينبغي التأمّل في تقديم الأظهر.
نعم؛ يمكن الخدشة في أنّ كل أظهريّة لا تنفع، بل المدار على ما يعدّ في العرف قرينة على الخبر الآخر لو فرضنا صدور الخبرين، بحيث يخرج عن التعارض، على ما بيّن في محلّه، و المفروض أنّ المورد معترف بكفاية كل أظهرية، و يريد إثبات المانع من جهة الشهرة، فنقول: هي غير مانعة؛ هذا إذا قلنا بحجيّة الظواهر من باب الظن النوعي، و أمّا لو قلنا بإناطتها بالظن الشخصي، أو عدم الظن على الخلاف، فيدور الأمر مدار حصول الظن من هذه الشهرة على تقديم الموافق و عدمه،