التعارض - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٥٠٥ - الأمر الثاني في الخبر الصادر تقيّة و حكم التورية
مع انحصاره بالنسبة إلى مقام الحكم، لاحتمال أن لا يكون هناك معنى شرعيّا يمكن أن يراد من اللفظ، و كذا مع الدوران بين أمور لا يؤخذ بها في نفي الخارج عنها، لما ذكرنا.
نعم؛ لو علمنا أنّ التقيّة في إلقاء الظاهر لا في أصل الصدور؛ بأن لا يكون الإمام (عليه السلام) مضطرا إلى التكلّم بشيء في تلك المسألة أمكن الأخذ بالمعنى التأويلي مع الانحصار، و نفي الخارج مع التعدد، لكنّه فرض بعيد؛ مع أنّه ليس من جهة وجوب التورية، بل من أجل العلم بأنّ التقيّة في إلقاء الظهور لا في أصل الصدور، فما اختاره بعض الفقهاء من الحكم باستحباب الوضوء عند خروج المذي، و بعد الرعاف و القيء .. و نحوها من جهة حمل الأخبار الواردة في ذلك على الاستحباب- بعد حملها على التقيّة- بدعوى أنّ التقيّة في إظهار الوجوب؛ لأنّه مذهب العامّة فيكون المراد الاستحباب، لا وجه له إلا بعد إحراز أنّ الامام (عليه السلام) لم يكن مضطرا في أصل صدور الخبر، و إنّما كان الاضطرار- على فرض البيان- إلى إظهار الوجوب، فيكون مراده المعنى المجازي، و هو الاستحباب.
و لكن أنّى يمكن إثبات ذلك، إذ غاية الأمر أنّ الخبر ليس جوابا عن سؤال، بل ابتداء بيان منه (عليه السلام)؛ لكن يمكن أن يكون- مع ذلك- أصل الصدور تقيّة.
ثمّ إنّ هذا الذي ذكرنا إنّما ينفع إذا علمنا بصدور الخبر تقيّة أو كان مقرونا بقرائن التقيّة، و إلا ففي مقام الترجيح في المتعارضين لأجل موافقة العامّة لا ينفع، و لو علمنا أنّه- على فرض كونه تقيّة- تكون التقيّة في ظهوره لا في صدوره، و ذلك لما عرفت من أنّ مقتضى الترجيح ليس هو الأخذ بالموافق و حمله على التقيّة، بل مجرّد الأخذ بالمخالف، و أنّ الموافق لعلّه صدر تقيّة من جهة وجود الأمارة عليها.
ثمّ إنّ ما ذكره الشيخ من وجوب التورية على الإمام (عليه السلام) و إرادة خلاف الظاهر إنّما يتم إذا كانت التقيّة في مقام البيان، و من الإمام (عليه السلام)، لا في عمل الراوي، و إلا فيرد [١] الإمام (عليه السلام) ظاهر الكلام الملقى إلى ذلك الراوي، إلا أن يكون التعبير بمثل قوله (عليه السلام)
[١] في نسخة (ب) و (د): فيريد. و الظاهر صحّة هذه الكلمة.