شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٩ - فصل فى أنّ أصناف القضايا أربعة مسلّمات و مظنونات و مشبّهات و مخيّلات و تحقيق أقسامها
إلى [١] مقتضيات العادات و أحكام سائر القوى من الرقّة و الرأفة، و تجرّدت عن كلّ ما تعوّدته و ألفته [٢] من القضايا المصلحيّة، ثمّ عرضت على عقلك حينئذ [٣] طرفى الموضوع و المحمول، فإن كان نفس حضورهما [٤] يوجب حكم العقل بتلك النسبة كانت القضيّة أوّليّة، و إلّا كانت مشهورة. و هو مثل قولنا: الكذب قبيح، فإنّ السّبب فى شهرته تعلّق المصلحة العامّة به، و قولنا: أنّ الايلام قبيح، و السّبب فيه هو [٥] الرقّة. و الدّليل على أنّ ذلك ليس من الأوّليّات أنّا [٦] عند الفرض المذكور إذا عرضنا على العقل أنّ الشّىء لا يخلو عن النفى و الإثبات، و عرضنا عليه أنّ الكذب قبيح، وجدنا العقل حاكما بالأوّل و متوقّفا فى الثّانى، فعرفنا أنّ ذلك ليس [٧] من [٨] المحمولات الأوّليّة.
ثمّ إنّ المشهور قد يكون صادقا، و قد يكون كاذبا. و الصّادق قد يكون أوّليّا، و قد لا يكون، بل يحتاج فى إثباته إلى البرهان، فإنّ كلّ أوّلّى لا بدّ و أن يكون مشهورا لكنّه لا ينعكس. فعلى هذا، السّبب فى الشّهرة إمّا كونه أوّليّا، أو تعلّق النظام الكلّى به، أو الانفعالات [٩] النفسانيّة ممّا [١٠] ذكرناه، أو [١١] الاستقراء العامّ، أو الاستقراء الخاصّ، فإنّ فى كلّ مذهب أمورا مشهورة عندهم و ربّما لا تكون مشهورة عند من يخالفهم.
و أمّا الوهميّات فهى القضايا الكاذبة الّتى يقضى بها الوهم فى غير المحسوسات، فإنّ الوهم تابع للحسّ، فيكون قضائه [١٢] فى غير المحسوس كاذبا. و إنّما يعرف كذب الوهم من وجوه:
الأوّل؛ أنّه ينكر موجودا غير محسوس، ثمّ أنّه يساعد على كلّ المقدّمات الموجبة لذلك [١٣] الموجود، و لو كان حكمه [١٤] الأوّل صادقا لما حكم بما يوجب نقيض [١٥] حكمه.
[١] - إلى: فى مج.
[٢] - ألفته: الفيته ج.
[٣] - حينئذ:- ج.
[٤] - حضورهما: حضورها ج.
[٥] - هو:- ه؛ ت.
[٦] - أنّا: إن ج.
[٧] - ليس: ليست م.
[٨] - من: عن مج.
[٩] - الانفعالات: انفعالات م.
[١٠] - مما: كما ج.
[١١] - ذكرناه أو: ذكرنا و مج.: ذكرناه أوّلا أو ه.
[١٢] - قضائه: قضائها ت؛ ه؛ م.
[١٣] - لذلك:+ المحسوس مج.
[١٤] - حكمه: الحكم ه؛ ت.
[١٥] - نقيض: نقض ج.