شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٦ - فصل فى أنّ أصناف القضايا أربعة مسلّمات و مظنونات و مشبّهات و مخيّلات و تحقيق أقسامها
الصّادق غير المحمود، و كذلك الكاذب غير الشّنيع، و ربّ شنيع حقّ و ربّ محمود كاذب.
فالمشهورات إمّا من الواجبات، و إمّا من التّأديبات الصلاحيّة و ما تتطابق عليه الشّرائع الإلهيّة، و إمّا خلقيّات و انفعاليّات، و إمّا استقرائيّات، و هى إمّا بحسب [١] الاطلاق و إمّا بحسب أصحاب صناعة و ملّة.
و أمّا القضايا الوهميّة الصّرفة فهى قضايا كاذبة، إلّا أنّ الوهم الإنسانىّ يقضى بها قضاء [٢] شديد القوّة لأنّه ليس يقبل ضدّها و مقابلها بسبب أنّ الوهم تابع للحسّ. فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم، و من المعلوم أنّ المحسوسات إذا كان لها مبادى و أصول كانت تلك قبل المحسوسات، و [٣] لم تكن محسوسة، و لم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات، فلم يمكن أن تتمثّل ذلك الوجود فى الوهم، و لهذا فإنّ الوهم نفسه و أفعاله لا يتمثّل فى الوهم، و لهذا ما يكون الوهم مساعدا للعقل فى الأصول الّتى تنتج وجود تلك المبادى. فإذا تعدّيا معا إلى النتيجة نكص الوهم و امتنع عن قبول ما سلم موجبه، و هذا الضرب من القضايا أقوى فى النّفس من المشهورات الّتى ليست بأوّليّة، و تكاد تشاكل الأوّليّات و تدخل فى المشبّهات بها و هى أحكام للنّفس فى أمور متقدّمة على المحسوسات أو أعمّ منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها، و على نحو ما يجب أن يكون أو يظنّ فى المحسوسات مثل اعتقاد المعتقد أن لا بدّ من خلاء ينتهى إليه الملاء إذا تناهى، و أنّه لا بدّ فى كلّ موجود من أن يكون مشارا إلى جهة وجوده. و هذه الوهميّات لولا مخالفة السّنن الشرعيّة لها لكانت تكون مشهورة، و إنّما تثلم [٤] فى شهرتها الدّيانات الحقيقيّة و العلوم الحكميّة. و لا يكاد المدفوع [٥] عن ذلك يقاوم نفسه فى دفع ذلك لشدّة استيلاء الوهم على أنّ ما يدفعه الوهم و لا يقبله إذا كان فى المحسوسات فهو مدفوع منكر، و هو مع أنّه باطل شنيع ليس بلا شهرة بل تكاد أن تكون الأوّليّات و الوهميّات الّتى لا تزاحم من غيرها مشهورة و
[١] - الالهيّة و امّا ... بحسب:- م.
[٢] - إلّا أنّ الوهم ... قضاء:- م.
[٣] - و: فان م.
[٤] - تثلم: يتكلّم م.
[٥] - المدفوع: المرفوع م.