شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٥ - فصل فى أنّ أصناف القضايا أربعة مسلّمات و مظنونات و مشبّهات و مخيّلات و تحقيق أقسامها
أن يحصر هذه الشّهادات فى مبلغ عدد فقد أحال، فإنّ ذلك ليس معلّقا بعدد يؤثّر النقصان و الزّيادة فيه، و إنّما الرّجوع فيه إلى مبلغ يقع معه اليقين، فاليقين هو القاضى بتوافى الشّهادات لا عدد الشّهادات. و هذه أيضا لا يمكن أن يقنع جاحدها، أو يسكت بكلام.
و أمّا القضايا الّتى قياساتها معها فهى قضايا أنّما يصدّق بها لأجل وسط، لكن ذلك الوسط ليس ممّا يعزب عن الذّهن فيحوج فيه الذّهن إلى طلب، بل كلّما اخطر بالبال حدّى المطلوب خطر الوسط بالبال، مثل قضائنا بأنّ الإثنين نصف الأربعة. فقد استقصينا القول فى تعديد أصناف القضايا الواجب قبولها من جملة المعتقدات من جملة المسلّمات.
فأمّا المشهورات من هذه الجملة: فمنها أيضا هذه الأوّليّات و نحوها ممّا يجب قبوله، لا من حيث هى واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها، و منه الآراء المسمّاة بالمحمودة، و ربّما خصّصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلّا الشّهرة، و هى آراء لو خلّى الإنسان و عقله المجرّد و وهمه و حسّه و لم يؤدّب بقبول قضاياها و الاعتراف بها و لم يمل الاستقراء بظنّه القوىّ إلى الحكم لكثرة الجزئيّات و لم يستدع إليها ما فى طبيعة الإنسان من الرّحمة و الخجل و الأنفة و الحميّة و غير ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح، و أنّ الكذب قبيح لا ينبغى أن يقدم عليه. و من هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من النّاس و إن صرف كثيرا منهم عنه الشّرع من قبح ذبح الحيوان اتّباعا لما فى الغريزة من الرقّة لمن تكون غريزته كذلك و هم أكثر النّاس، و ليس شىء من هذا يوجبه العقل السّاذج، و لو توهّم الإنسان نفسه و أنّه خلق دفعة تامّ العقل و لم يسمع أدبا و لم يطع انفعالا نفسانيّا أو خلقيّا لم يقض فى أمثال هذه القضايا بشىء بل أمكنه أن يجهلها و يتوقّف فيها، و ليس كذلك حال قضائه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء، و هذه المشهورات قد تكون صادقة، و قد تكون كاذبة، و إذا كانت صادقة ليست تنسب إلى الأوّليّات و نحوها، إذا [١] لم تكن بيّنة الصّدق عند العقل الأوّل إلّا بنظر، و إن كانت محمودة عنده، و
[١] - إذا: لأنّها م.