شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٤ - فصل فى أنّ أصناف القضايا أربعة مسلّمات و مظنونات و مشبّهات و مخيّلات و تحقيق أقسامها
للكلّ لأنّه واضح تصوّر الحدود، و منه ما ربّما خفىّ و افتقر إلى تأمّل لخفاء فى تصوّر حدوده، فإنّه إذا التبس التصوّر التبس التصديق. و هذا القسم لا يتوعّر على الأذهان المشتعلة النّافذة فى التصوّر.
و أمّا المشاهدات فكالمحسوسات، و هى القضايا الّتى أنّما نستفيد التصديق بها من الحسّ، مثل حكمنا بوجود الشّمس و كونها مضيئة، و حكمنا بكون النّار حارّة. و كقضايا اعتباريّة لمشاهدة قوى غير الحسّ مثل معرفتنا بأنّ لنا فكرة و أنّ لنا خوفا و غضبا، و إنّا نشعر بذواتنا و بأفعال ذواتنا.
و أمّا المجرّبات فهى قضايا و أحكام تتبع مشاهدات منّا تتكرّر، فتفيد اذكارا بتكرّرها [١] فيتأكّد منها عقد قوىّ لا يشكّ فيه. و ليس على المنطقى أن يطلب السّبب فى ذلك بعد أن لا يشكّ فى وجوده، فربّما أوجبت التجربة قضاء جزما، و ربّما أوجبت قضاء أكثريّا، و لا تخلو عن قوّة [٢] قياسيّة خفيّة تخالط المشاهدات، و هذا مثل حكمنا بأنّ الضّرب بالخشب مؤلم، و أنّما تنعقد التجربة إذا آمنت النّفس كون الشّىء بالاتّفاق، و تنضاف إليه أحوال الهيئة فتنعقد التجربة.
و ممّا يجرى مجرى المجرّبات الحدسيّات، و هى قضايا مبدأ الحكم بها حدس من النّفس قوىّ جدّا، فزال معه الشكّ، و أذعن له الذّهن، فلو أنّ جاحدا جحد ذلك لأنّه لم يتولّ الاعتبار الموجب لقوّة ذلك الحدس أو على سبيل المناكرة لم يتأتّ [٣] أن يتحقّق [٤] له ما يحقّق عند الحادس، مثل قضائنا بأنّ نور القمر من الشّمس لهيئات تشكّل النّور فيه، و فيها أيضا قوّة قياسيّة و هى شديدة المناسبة للمجرّبات.
و كذلك القضايا التواتريّة و هى الّتى تسكن إليها النّفس سكونا تامّا يزول معه الشكّ لكثرة الشّهادات مع إمكانه بحث تزول الرّيبة عن وقوع تلك الشّهادات على سبيل الاتّفاق و التّواطؤ، و هذا مثل اعتقادنا بوجود مكّة و وجود جالينوس و أقليدس و غيرهم و من حاول
[١] - بتكررّها: بتكرارها م.
[٢] - قوّة:+ ما م.
[٣] - لم يتأت:+ له م.
[٤] - يتحقق: يحقّق م.