أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٣٦
مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
أضاف الجملود إلى الصخر، و هما بمعنى واحد.
و على هذا فإنه يحسن أن يقال: أدركته؛ فرأيته.
و قولهم: انظر كيف ينظر فلان إلى فلان؛ فهو تجوز باسم الرؤية عن تقليب الحدقة؛ لأن تقليب الحدقة سبب للرؤية في الغالب، و التجوز باسم المسبب عن السبب؛ جائز.
و هذا هو الجواب عن قوله- تعالى- وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ [١].
قولهم: إن النظر قد يوصف بما لا توصف به الرؤية الحقيقية ليس كذلك. و لا مانع من [اتصافها [٢]] بما ذكروه من الصفات.
قولهم: إن العرب لا تصف إلا ما تراه؛ ليس كذلك؛ فإنها [٣] كما تصف المرئيات، فقد تصف [٣] ما لا يرى في مجارى العادات: كالشجاعة، و الجبن، و الكرم، و البخل، و البر، و العقوق، و العشق، و الشوق، و نحو ذلك و فيما نحن فيه خاصة؛ فإنهم يصفون النظر بمعنى الرؤية و منه قول الشاعر:
نظرت إلى من حسّن اللّه وجهه فيا نظرة كادت على وامق تقضى
قولهم: إن النظر مأمور به، و منهى عنه.
قلنا: الأمر، و النهى؛ و إن كان لا يتعلق بغير المقدور، فإذا أضيف الأمر إلى النظر الموصول بإلى؛ فهو حقيقة في الرؤية غير أنه لما تعذر حمل الأمر عليه، لكونه غير مقدور تجوز به عن سببه؛ و هو تقليب الحدقة كما سبق.
قولهم: إن النظر الموصول/ بإلى قد يرد بمعنى الانتظار لا نسلم ذلك، و الناقل عن العرب أنها تقول: نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته، إن كان غير موثوق به؛ فلا التفات إليه.
و ان كان موثوقا به؛ فنقله مرجوح بالنسبة إلى النقل المشهور المأثور عنهم، أنهم قالوا: النظر الموصول بإلى لا يكون إلا بمعنى الرؤية؛ فإنه لا يقال نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته؛ بل إذا أريد به الانتظار قيل نظرته، و انتظرته لا غير.
[١] سورة الأعراف ٧/ ١٩٨.
[٢] فى أ (صفاتها).
[٣] فى ب (فإنه كما يوصف المرئيات قد يصف).