أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٥٦
المسلك الثانى: هو أنهم قالوا: أجمعت الأمة [١] من المسلمين على وجوب معرفة الله- تعالى-؛ و وجوب معرفة الله- تعالى- لا يتم إلا بالنظر- إذ هو غير بديهى- و كل ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب؛ فالنظر واجب [٢].
و هذا هو المعتمد [٣] عند جمهور الأصحاب، و ترد عليه إشكالات:
الأول: أن وجوب المعرفة متوقف على إمكان المعرفة؛ و هى غير ممكنة؛ لأنها لو كانت ممكنة: فإما [٤] أن تكون ضرورية، أو نظرية.
و الأول: محال. فإنه لو خلى الإنسان، و دواعى نفسه من مبدأ نشوه [٥] من غير نظر؛ لم يجد من نفسه [العلم [٦] بذلك أصلا] [٦]؛ و ليس الضرورى كذلك.
و الثانى: فمتوقف على إمكان إفضاء النظر إلى العلم؛ و هو ممتنع كما [٧] سبق في إنكار [٧] النظر.
سلمنا إمكان المعرفة؛ و لكن لا نسلم إمكان وجوبها شرعا؛ فإن الإيجاب الشرعى؛ إنما يكون بإيجاب الله- تعالى- و إيجابه بأمره.
و هو: إما أن يكون أمرا للعارف بالله- تعالى-، أو لغيره.
الأول: محال؛ لما فيه من الأمر بتحصيل الحاصل.
و الثانى: محال؛ لأن معرفة أمره متوقّفة على معرفته في نفسه؛ فإن من لا يعرف الآمر؛ لا يعرف أمره.
فإذن إيجابه يتوقف على معرفته، و معرفته تتوقف على معرفة إيجابه؛ فيكون دورا.
سلمنا إمكان وجوب المعرفة شرعا؛ و لكن لا نسلم الوقوع.
(١)
عن مستند الإجماع و بيان حقيقته،
و ما يتعلق به من المسائل. انظر الإحكام للآمدى ص ١٤٧- ٢٠٩ و منتهى السئول في علم الأصول-
له أيضا ص ٤٩- ٦٧. و ما ورد في غاية المرام ص ٣٦٤- ٣٩٠.