أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٧٩
الفصل الأول فى أن الحدّ يرجع إلى قول الحادّ، أو إلى صفة المحدود.
و قد [١] اختلف أئمتنا فى ذلك:
فذهب أكثرهم: إلى أن الحد راجع إلى نفس المحدود، و صفته فى نفسه، فالحدّ و الحقيقة عندهم بمعنى واحد؛ و لهذا قالوا:/ الحد هو حقيقة الشيء، و معناه.
و ذهب القاضى: إلى أنّ الحد راجع إلى قول الحاد المنبئ عن حقيقة المحدود و صفته. معتمدا فى ذلك على أنه [٢]: لو كان الحدّ هو الحقيقة؛ لصدق إطلاق الحد، على كل ما يصدق عليه إطلاق الحقيقة.
و هو غير مطرد فى حق الله- تعالى-؛ حيث يقال له حقيقة، و لا يقال له حد [٣].
و الحق فى ذلك: أن الحدّ فى اللغة، عبارة عن المنع، و منه يقال للبوّاب حدّاد؛ لمنعه بعض الناس عن الدخول، و للحديد حديد؛ لامتناع تفككه بسهولة. و للعقوبات حدود؛ لافضائها إلى المنع من الإقدام على الجنايات.
و عند ذلك فلا يخفى صحة إطلاق الحد لغة: على حقيقة الشيء، من حيث إنها حاصرة له مانعة من دخول غيره فيه، و القول المعبر عن الحقيقة أيضا، مطابق لها؛ فيكون مشاركا لها فى المنع من دخول ما خرج عن الحقيقة فيها؛ فلا يمتنع أيضا إطلاق اسم الحد عليه لغة، و لا معنى لتصويب أحد القولين، و إبطال الآخر من جهة اللغة، و امتناع إطلاق اسم الحد على الله- تعالى- و جواز إطلاق الحقيقة عليه، مما لا يدل على امتناع كون الحقيقة حدّا بالمعنى اللغوى، و إن امتنع إطلاق ذلك شرعا؛ لعدم ورود الشرع به، أو لوروده بالمنع منه؛ لكن مع هذا كله، ليس المقصود البحث [٤] عن معنى الحد لغة؛ بل البحث عن الحد الّذي هو طريق تعريف الحقيقة، بالكشف [٥] عنها؛ و ذلك لا يكون بنفس الحقيقة؛ بل بما هو خارج عنها و هو دليل عليها؛ و ذلك هو القول؛ فليكن البيان مختصا به.
[١] فى ب (فقد).
[٢] فى ب (إن).
[٣] زائد فى ب (قال شيخنا أبو الحسن الآمدي).
[٤] ساقط من (ب).
[٥] فى ب (و الكشف).