أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٦
و كان للآمدى و تلاميذه دور بارز في شجب هذا الصنيع، يقول ابن واصل «و لمّا ورد الخبر إلى دمشق بتسليم القدس إلى الفرنج؛ أخذ الملك الناصر في التشنيع على عمه الملك الكامل، و تقدّم إلى الشيخ شمس الدين يوسف سبط ابن الجوزى الواعظ (تلميذ الآمدي)- و كان له قبول عند الناس- فى الوعظ في أن يجلس بجامع دمشق للوعظ، و يذكر فضائل القدس، و ما ورد فيه من الأخبار، و الآثار، و أن يحزّن الناس، و يذكر ما في تسليمه إلى الكفّار من الصّغار للمسلمين و العار، و قصد بذلك تنفير الناس من عمه؛ ليناصحوه في قتاله؛ فجلس شمس الدين للوعظ كما أمره، و حضر الناس لاستماع وعظه، و كان يوما مشهودا، و علا يومئذ ضجيج الناس و بكاؤهم، و عويلهم ... فلم ير في ذلك اليوم إلا باك، أو باكية» [١].
و يؤكد سبط ابن الجوزى ما أورده ابن واصل فيقول في كتابه مرآة الزمان «و أشار الملك الناصر داود بأن أجلس بجامع دمشق، و أذكر ما جرى على بيت المقدس؛ فما أمكننى مخالفته؛ فرأيت من جملة الدّيانة الحميّة للإسلام و موافقته؛ فجلست بجامع دمشق، و حضر الناصر داود على باب مشهد على، و كان يوما مشهودا، لم يتخلف من أهل دمشق احد» [٢].
و بعد أن تم للأشرف ما أراد، و استقرّ بدمشق أعلنها حربا شعواء على رجال دولة الناصر حتى هرب معظمهم، و استغل التعصب المذهبى لدى بعض أصحاب المذاهب أسوأ استغلال؛ فاستقطب جماعة من الفقهاء، و الظاهريين، و الصوفية معه، و أراد إرضاءهم، و إرضاء العامة، و بالتالى يغطى على جريمته الشنعاء.
و قد كان المعظم عيسى، و ابنه الناصر داود يتميزان بسعة الأفق، و بمحبة العلم و أهله، و اشتهر عن الناصر بأنه يقرب الفلاسفة إليه؛ بل إنه طلب من الآمدي أن يؤلف له (فرائد الفوائد)؛ فألّفه بناء على اقتراحه كما مر؛ فانتهز الأشرف هذه الفرصة في التشنيع على عهد الناصر، و أبيه المعظم، و أعلنها حربا شعواء على من بقى بدمشق من رجال عهده- و على رأسهم الآمدي-؛ فانتهز حسّاد الآمدي و هم كثر- و مخالفوه هذه الفرصة، و التفّوا حول السلطان؛ لكى يصلوا إلى أهدافهم، و أصدروا الفتاوى التى تبرّر للأشرف
[١]
مفرج الكروب ٤/ ٢٤٥، ٢٤٦.
[٢]
مرآة الزمان ٨/ ٤٣٢.