أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٩٨
و إن قيل: إنه بحروف، و أصوات. لا كحروفنا، و أصواتنا؛ فحاصله يرجع إلى المنازعة في الإطلاق اللفظى.
و لا يخفى أن جواز إطلاق ذلك؛ موقوف على ورود الشرع به، و الشرع و إن ورد بإطلاق الحروف و الأصوات، كما سبق؛ فلا نسلم أنه ورد بذلك في الكلام النفسانى، حتى يقال بجوازه.
و أما ما ذكروه من النصوص، و الإجماع؛ فقد سبق جوابه في المسلك الأول.
و إذا ثبت [١] أنه متصف بصفة الكلام، و أن كلامه قديم- على ما سبق- و أنه ليس بحرف، و لا صوت؛ فهو متحد، لا كثرة فيه في نفسه؛ بل التكثر إنما هو في تعلقاته، و متعلقاته؛ كما سلف.
فإن قيل: عاقل ما لا يمارى نفسه في انقسام الكلام إلى أمر، و نهى، و غيره، من أقسام الكلام. و أن ما انقسم إليه حقائق مختلفة، و أمور متمايزة، و أنها من أخص أوصاف الكلام. لا أن الاختلاف عائد إلى نفس العبارات، و التعلقات، و المتعلقات و دفعناها و هما لم يخرج الكلام عن كونه منقسما.
و أيضا: فإن ما أخبر عنه من القصص الماضية، و الأمور السالفة مختلفة متمايزة.
و كذلك المأمورات، و المنهيات؛ مختلفة أيضا؛ فلا يتصور أن يكون الخبر عما جرى لموسى [٢]- عليه السلام؛ هو نفس الخبر عما جرى لعيسى عليه السلام [٢]، و لا الأمر بالصلاة؛ هو نفس الأمر بالزكاة، و غيرها، و لا أن ما تعلق بزيد، هو نفس ما تعلق بعمرو، و لا ما سمى خبرا هو نفس ما سمى أمرا؛ إذ الأمر طلب، و الخبر لا طلب فيه؛ بل حكم بنسبة مفرد إلى مفرد إيجابا، أو سلبا؛ فثبت أن الكلام أنواع مختلفة، و الكلام عام للكل؛ فيكون كالجنس لها.
قلنا: قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة، و معلوم واحد، قائم بالنفس. و أن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات و المتعلقات، و هذا النوع من الاختلاف ليس راجعا إلى أخص صفة الكلام، بل إلى أمر خارج عنه.
[١] من أول قول الآمدي «و إذا ثبت أنه يتصف
بصفة الكلام ... الخ نقله ابن تيمية في كتابه (درء تعارض العقل و النقل ٤/ ١١٥-
١١٩) ثم علق عليه و ناقشه من وجهة نظره.
[٢] وردت في (ب) مقدما عيسى على موسى و
في (أ) بدون ألفاظ التعظيم و قد ذكرتها تأدبا مع مقام النبوة.