أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤١٩
الوجه الخامس: أنا نجد من أنفسنا اشتهاء/ كوننا مدركين لبعض المدركات:
كسماع الأصوات اللذيذة، و شم الرائحة الطيبة، إلى غير ذلك، و لو كانت المدركية: هى انتفاء الآفات عن الحى، فإذا كان المشتهى حيا لا آفة به؛ فذلك مما لا تتعلق به الشهوة لحصوله؛ فإن الشهوة إنما تتعلق بحصول ما ليس بحاصل.
السادس: أنا قد نجد من أنفسنا كراهية الرؤية، لبعض الأشياء و سماع بعض الأصوات.
و بالجملة: نكره كوننا مدركين لكثير من الأشياء، و الحياة، و نفى الآفات لا تكره؛ و المكروه غير ما ليس بمكروه.
السابع: أنه لو قيل لابن الجبائى على قياس مذهبه: ما المانع من أن يكون العالم: هو الحى الّذي لا آفة به؟، و كذلك في القادر، و المريد، و نحوه؛ لم يجد إلى الفرق سبيلا.
قولهم: لا نسلم خروجه عن كونه عالما بالمسموعات، و المبصرات.
قلنا: دليل خروجه عن ذلك من خمسة أوجه:
الأول: هو أنا إذا علمنا الشيء بطريق من الطرق، ثم رأيناه فإنا نجد تفرقة ضرورية بين الحالتين، و ليس ما نجده من الحالة الثانية- و هو الرؤية- عائدا إلى كوننا قادرين، و لا مريدين، و لا متكلمين؛ ضرورة، و لا إلى الحياة، و نفى الآفات. كما تقدم؛ فبقى أن يكون قسما آخر؛ و هو المعنى بالمدركية.
فإن قيل: ما المانع أن تكون التفرقة عائدة إلى الجملة، و التفصيل، و الإطلاق، و التقييد في الشيء المعلوم؟، بأن نكون عالمين بالشيء جملة، أو على وجه مطلق؛ فإذا رأيناه علمناه مفصلا، أو مقيدا؛ و ذلك لا يوجب خروجه عن العالمية.
سلمنا خروجه عن العالمية؛ و لكن ما المانع من عود التفرقة إلى تأثير الحاسة من الشيء المحسوس؟؛ فإن الحواس قابلة للانفصال عن المحسوس؛ و ذلك كما نجده من تأثير العين الباصرة عند التحدق إلى جرم الشمس، و الصدمة الداخلة في الأذن عند