أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٥٥
الفصل السابع في وجوب النظر [١]
أجمع أكثر أصحابنا، و المعتزلة، و كثير من أهل الحق من المسلمين، [٢] على أن النظر [٢] المؤدى إلى معرفة الله- تعالى- واجب.
غير أن مدرك وجوبه عندنا: الشرع. خلافا للمعتزلة في قولهم: إن مدرك وجوبه:
العقل، دون الشرع.
و قد احتج أصحابنا على وجوبه من جهة الشرع بمسلكين:
المسلك الأول: التمسك/ بظواهر النّصوص الدّالة على وجوب النظر.
منها قوله- تعالى-: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٣].
و منها قوله- تعالى-: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [٤].
أمر بالنظر، و الأمر ظاهر في الوجوب.
و أيضا: لما نزل قوله- تعالى-: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [٥]، قال النبي- صلى اللّه عليه و سلم- «ويل لمن لاكها بين لحييه و لم يتفكّر [٦] فيها» تواعد بترك الفكر و النظر فيها؛ و هو دليل الوجوب. إلى غير ذلك من الأدلّة. و موضع معرفته: أن صيغة افعل: للأمر، و أنّ الأمر للوجوب؛ فلا يفي بأصول الفقه. و على كل تقدير؛ فهى غير خارجة عن الحجج الظاهرية، و الأدلة الظنية.
[١]
انظر المغنى ج ١٢ ص ٣٤٧- ٥٣٣ و شرح الأصول الخمسة ص ٦٦- ٧٠ و المحيط بالتكليف ص
٢٦- ٣٢ للقاضى عبد الجبار. و انظر أصول الدين ص ٣١- ٣٢ للبغدادى. و الشامل ص ١١٥،
١٢٠ و الإرشاد ص ٨- ١١ للجوينى و المحصّل ص ٢٨ للرازى. و شرح الطوالع للأصفهانى ص
٣٣- ٣٥ ثم قارن بشرح المواقف ص ١١١- ١٢٣ للجرجانى و شرح المقاصد ص ٣٣ للتفتازانى.
[٢]
في ب (ان اللفظ).
[٣]
سورة يونس ١٠/ ١٠١.
[٤]
سورة الروم ٣٠/ ٥٠.
[٥]
سورة آل عمران ٣/ ١٩٠.
[٦]
روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى اللّه عليه
و سلم قام يصلى، فآتاه بلال يؤذنه بالصلاة فرآه يبكى. فقال: يا رسول الله: أ تبكي و
قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر. فقال: يا بلال:
أ
فلا أكون عبدا شكورا. و لقد أنزل الله عليّ الليلة آية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ
وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.)
ثم قال: «ويل لمن قرأها، و لم يتفكر فيها» [تفسير القرطبى ٤/ ٣١٠].