أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٩٥
الأول: أن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده. إذا اعتذر بأنه يخالف أمره. و أمره بين يدى السلطان؛ لتحقيق عذره. فإنا نعلم أنه لا يريد منه الامتثال؛ لما فيه من ظهور كذبه، و تحقق عتاب السلطان له. و مع ذلك؛ فإن أهل العرف يعدونه آمرا، و يعدون العبد مطيعا، بتقدير الفعل. و عاصيا، بتقدير الترك. و لو لم يكن أمرا، لما تمهد عذره. و لما عدّ العبد مطيعا، و عاصيا. بتقدير المخالفة، و الفعل.
و به يندفع قول القائل: إنه موهم بالأمر، و ليس بآمر؛ و هو مع أنه تمسك في أمر عقلى، بأمر عرفى، و إطلاق لغوى؛ فهو لازم على أصحابنا في اعتقادهم أن الأمر هو/ الطلب، و اقتضاء الفعل. فإنا كما نعلم أن العاقل لا يريد ما يظهر به كذبه، و يتحقق به عقابه؛ فكذلك نعلم أن العاقل لا يطلب ما فيه ذلك، و مع ذلك، فهو أمر بدون الطلب؛ فكما هو لازم على اعتقاد الخصم كون الأمر هو إرادة الفعل؛ فهو لازم على أصحابنا في اعتقادهم: أن الأمر طلب الفعل.
الوجه الثانى: ما اشتهر من قصة إبراهيم الخليل- عليه الصلاة و السلام- من أمره بذبح ولده مع عدم تعلق الإرادة بوقوع الذبح، لعدم وقوعه؛ على ما سلف بيانه.
و ما يقال من أن ذلك كان [١] مناما، لا أمرا. و أن [٢] تعلق الأمر لا يكون [٢] إلا بالعزم على الذبح، أو الانكاء، و إمرار السكين، أو أن الذبح مما وقع، و اندمل الجرح.
و لهذا قال- تعالى-: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [٣] فمندفع؛ فإن أكثر الوحى إلى الأنبياء- عليهم السلام-. إنما كان بجهة المنام، و لو لم يكن ذلك بطريق الوحى، و إلا كان إقدام النبي على فعل محرم بما لا أصل له؛ و ذلك محال.
و حمل الأمر على غير الذبح. من العزم، أو الإنكاء، و إمرار السكين؛ باطل. و إلا لما صح تسميته بالبلاء؛ إذ لا بلاء فيه، و لا تسمية الذبح فداء مع وقوع المأمور به.
و به يندفع القول بتحقيق وقوع الذبح، و اندمال الجرح، و هو و إن كان من الظواهر المغلبة على الظن؛ فبعيد عن اليقين.
[١] ساقط من ب.
[٢] فى ب (أو أن تعلق الأمر لم يكن).
[٣] سورة الصافات ٣٧/ ١٠٥.