أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٩٣
و عند ذلك فلا يلزم من تعلق الأمر بالمأمور به، مع عدمه تعلقه بالمأمور، مع عدم الفهم؛ فإن تعلقه بالمأمور به ليس تعلق تكليف؛ بخلاف تعلقه بالمأمور.
و القول بأنه إذا جاز وجود مأمور، و لا أمر؛ جاز وجود أمر، بلا [١] مأمور [١]؛ فدعوى مجردة عن الدليل.
كيف: و أنه لا يلزم من كون الشخص مكلفا بما كان من الأمر مع وجود شرط التكليف، و هو الفهم، تحقق أمر التكليف مع انتفاء شرطه، و هو فهم المأمور.
و على هذا: فقد خرج الإلزام بالقدرة؛ إذ القدرة معنى من شأنه تحقق الوجود [٢] الممكن به [٢]، لا ما يلازمه الوجود؛ و ذلك متحقق بدون وجود المقدور بخلاف الأمر؛ فإنه تكليف، و التكليف بدون شرط ممتنع؛ فإذن معنى كون المعدوم مأمورا. ليس معناه غير تعلق الأمر به بشرط الوجود و الفهم، على ما أسلفناه.
و ما ذكروه في تحقق معنى الطاعة، و العبودية، و البعثة؛ فغير صحيح؛ و إلا لزم أن يكون كل تسخير بفعل شيء أمرا، و بتركه نهيا؛ و أن لا يكون الانقياد على وفق التسخير طاعة، كان ذلك في نفسه عبادة، أو معصية؛ و هو محال؛ فإنه ليس كل ما سخر به مأمورا، و لا كل ما انقاد العبد إلى فعله- و إن كان على وفق التسخير- طاعة.
و على هذا فلا بد من تفسير الأمر و النهى بما وراء ذلك. و هو ما يعد في نظر أهل العرف تكليفا، و لو لا ذلك لما تحقق معنى التبليغ، و الرسالة على ما أسلفناه.
قولهم: إن المعنى النفسانى لا يسمى كلاما. لا نسلم ذلك؛ إذ [٣] لا مانع منه من جهة الإطلاق؛ فإنه يصح أن يقال: فى نفسى كلام، و في نفس فلان كلام. و منه قوله- تعالى- وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ [٤]. و منه قول الشاعر [٥]:
إنه الكلام لفى الفؤاد و إنّما جعل اللّسان على الفؤاد دليلا
[١] فى ب (و لا مأمور).
[٢] فى ب (وجود الممكن).
[٣] فى ب (فإنه).
[٤] سورة المجادلة ٥٨/ ٨.
[٥] فى ب (الأخطل). انظر ديوان الأخطل ط
٢- دار الشرق ببيروت- ص ٨٠٥.