أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٢٠
على أننا نقرر قاعدة في معنى المحبة، و الرضا، و الإرادة؛ يمكن التوصل منها إلى تأويل كل ما يرد من هذا القبيل فنقول: أما المحبوب، و المرضى في حق الله- تعالى- فمعناه: أنه ممدوح عليه في العاجل، و مثاب في الآجل. و المسخوط في مقابلته.
فعلى هذا معنى قوله- تعالى- لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ [١] و قوله: لا يُحِبُّ الْفَسادَ [٢]، و قوله لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [٣] أنه غير ممدوح عليه في العاجل، و لا مثاب عليه في الآجل.
و هكذا تأويل كل ما يرد من هذا القبيل.
و قد يمكن حمل قوله- تعالى-: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ على المؤمنين من عباده، و يكون اختصاصهم بلفظ العباد تشريفا، و تكريما [٤] لهم [٤] كما في قوله- تعالى:
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [٥] و المراد به المؤمنون.
و أما الإرادة: فإنها قد تتعلق بالتكليف من الأمر، و النهى، و قد تتعلق بالمكلف به؛ أى بإيجاده، أو إعدامه، فإذا قيل: إن الشيء مراد: قد يراد به: أن التكليف به؛ هو المراد، لا عينه و ذاته. و قد يراد به: أنه في نفسه مراد؛ أى إيجاده، أو إعدامه. فعلى هذا ما وصف بكونه مرادا، و لا وقوع له؛ فليس المراد به إلا إرادة التكليف به فقط.
و ما قيل إنه غير مراد؛ و هو واقع؛ فليس المراد به؛ إلا أنه لم يرد التكليف به فقط.
و من حقق هذه القاعدة أمكنه التقصى عن قوله- تعالى- وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [٦] بأن يقول: المراد به: إنما هو نفى الإرادة بالتكليف به، [لا نفى] [٧] إرادة حدوثه. و كذا قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [٨] معناه: الأمر باليسر، و نفيه عن العسر.
[١] سورة النساء ٤/ ١٤٨.
[٢] سورة البقرة ٢/ ٢٠٥.
[٣] سورة الزمر ٣٩/ ٧.
[٤] فى ب (لهم و تكريما).
[٥] سورة الإنسان ٧٦/ ٦.
[٦] سورة غافر ٤٠/ ٣١.
[٧] فى (أ) (لأنه نفى).
[٨] سورة البقرة ٢/ ١٨٥.