أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٢٣
سلمنا التساوى بين الأطراف، و الوسط؛ و لكن شرط المدركية: عند القائلين بالانطباع: إنما هو بانطباع صورة المرئى، في الرطوبة الجليدية/ و أن يكون بين الناظر، و المرئى مخروط متوهم، زاويته من جهة الناظر، و قاعدته من جهة المرئى، و لا يخفى أنه كلما إزدادت أبعاد المخروط طولا بسبب بعد المرئى؛ إزدادت زاويته ضيقا، و كلما قصر؛ إزدادت زاويته سعة، و محل الانطباع إنما هو الزاوية المفروضة؛ فيجب اتساعها، و ضيقها؛ و بسبب القرب و البعد؛ يكون كبر المنطبع، و صغره.
و عند القائلين بخروج شعاع من العين متصل بالمرئى يكون مدركا له: إنما اختلف المرئى بالصغر و الكبر، بالبعد، و القرب، بسبب ضعف الشعاع المتصل به؛ بسبب تبدده، أو بسبب مخالطته الأبخرة الكثيفة به.
و عند القائلين بأن الهواء المشف ما بين الرائى، و المرئى يستحيل آلة دراكة بإحالة قوة الناظر له: إنما اختلف الصغر، و الكبر، بالبعد، و القرب؛ بسبب ضعف تأثير القوة في الإحالة و قوتها.
و على الحجة الثانية: إنما يلزم الدور أن لو توقف صحة رؤية كل واحد من الأجزاء على صحة رؤية الآخر. توقف متأخر، على متقدم؛ و ذلك بأن يقال: صحة رؤية كل واحد، علة صحة رؤية الآخر، و ليس كذلك، بل توقف معية؛ أى أنه لا يصح رؤية كل واحد، إلا مع رؤية الآخر؛ و ذلك غير موجب للدور كالمضافات.
و الجواب: أما دعوى زيادة البعد المتصل بالطرف، على البعد المتصل بالوسط؛ فمندفع. فإنا لو قدرنا أن ضلع الزاوية القائمة: و هو الآخذ من وسط المرئى إلى الطرف ذراعا؛ فيعلم أن بعد الطرف الّذي هو وتر تلك الزاوية لا يزيد على بعد الوسط بذراع، بل أقل؛ لأن ضلعى الزاوية القائمة يزيدان على وترها لا محالة، و مع ذلك: فإنا لو قدرنا تباعد الوسط ذراعا آخر بحيث يساوى وتر الزاوية، و يزيد عليه؛ لما غاب من الحس.
و أما الرد على مذهب أرباب الانطباع و غيرهم، فسيأتى عن قرب [١].
[١] انظر ما سيأتى ل ١٠٨/ ب و ما بعدها.