أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٢٩
فإن قيل: ظاهر الآيتين: يدل على أن الوضع، و الحمل، و الإنزال بالعلم، و ليس كذلك، فتكون الدلالة [١] متروكة الظاهر.
سلمنا أنها غير متروكة الظاهر؛ و لكن ما المانع من أن يكون العلم مفسرا: بعدم الجهل؟ كما ذهب إليه ضرار بن عمرو، أو بعلم حادث لا في محل: كما ذهب إليه جهم ابن صفوان؟
سلمنا دلالة ذلك على ثبوت صفة العلم لذاته؛ و لكنه معارض بقوله- تعالى- وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [٢]- فلو كان للرب- تعالى- علما؛ لكان فوقه عليم؛ و هو محال.
و الجواب عن السؤال الأول: بمنع ترك الظهور؛ فإن الدلالة المذكورة ظاهرة في جريان ذلك معلوما بعلمه؛ لا واقعا، و واجبا بعلمه، و هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق ذلك في قولهم: جرى الأمر الفلانى بعلمى، و بعلم فلان. و بتقدير أن تكون الدلالة ظاهرة فيما ذكروه؛ فلا يخرج عن أن يكون مجازا فيما ذكرناه، و إذا تعذر العمل باللفظ في حقيقته؛ تعين العمل به في مجازه حذرا من التعطل.
و عن السؤال الثانى: بما سيأتى عن قرب.
و عن السؤال الثالث: بأن ما ذكرناه: خاص، و ما ذكروه: فأعلى درجاته أن يكون عاما، و تخصيص العام بالخاص، أولى من إبطال دلالة الخاص، و العمل بعموم العام؛ فإن الجمع بين الأدلة مهما أمكن؛ أولى من تعطيل الواحد منها، و العمل بالباقى.
غير أن التمسك بمثل [٣] هذا [٣] المسلك مع افتقاره إلى إثبات صفة الكلام؛ قابل إلى التمسك بالظنون في مسائل القطع؛ و هو بعيد.
و أما من جهة المعقول: فقد استدلوا بالمسلك المشهور [٤]. و هو أن فعل الله-
[١] فى ب (الآية).
[٢] سورة يوسف ١٢/ ٧٦.
[٣] فى ب (بهذا).
[٤] هذا المسلك استند عليه كثير من المتكلمين
و غيرهم في إثبات العلم لله- تعالى- و يعرف بدليل الإتقان و الإحكام. و مع ذلك فإن
الآمدي ينتقده من وجوه كما سيتضح لنا فيما بعد. فممن استند عليه من الأشاعرة:
الأشعرى في اللمع ص ٢٤، ٢٥ و الباقلانى في
التمهيد ص ٤٧. و من المعتزلة القاضى عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ص ١٥٦.
و من الفلاسفة ابن رشد في مناهج الأدلة طبع
محمد على صبيح ص ٥٣.