أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٦٥
و هو غير سديد، فإنه إنما يكون تكليفا بما لا يطاق؛ أن لو كان ما توقف الواجب [١] على فعله غير ممكن، و عدم إيجابه لا يخرجه عن الإمكان؛ فالأقرب [٢] فى ذلك أن يقال:
إذا ثبت وجوب المعرفة؛ فالمعرفة من جهة حقيقتها و ماهيتها، لا توصف بالوجوب الثابت بخطاب التكليف؛ فإن خطاب التكليف بالوجوب، و التحريم: إنما يتعلق بأفعال المكلفين، و المعرفة ليست من صفات الأفعال؛ و لهذا لا يقال لمن عرف شيئا من جهة كونه عارفا أنه فعل شيئا. فإذا قيل بوجوب المعرفة؛ فمعناه وجوب تحصيلها، و التحصيل إنما يكون بسلوك ما به تحصل المعرفة.
فإذا قلنا: يجب التحصيل بما ليس واجبا؛ كان متناقضا لفظا، و معنى، و هو ممتنع.
و أما ما يتوقف عليه الواجب مما ليس فعلا للمكلف، و لا مقدورا له؛ فلا يمكن إيجابه إلا على رأى من لا يمنع التكليف بما لا يطاق، بخلاف ما كان مقدورا للمكلف:
كالنظر، و نحوه.
قولهم: لم ينقل عن النبي- صلى اللّه عليه و سلم- و لا عن أحد من الصحابة الخوض فى النظر، فى مثل هذه المسائل.
قلنا: لأنهم كانوا مشاهدين الوحى، و التنزيل، و عقائدهم صافية، و أدلّتهم من الكتاب و السنة ظاهرة، و لم يكن فى زمانهم/ من يحوج إلى النظر، و المناظرة.
أما أن يكونوا جاهلين بأدلة هذه المسائل، و معرفة الله- تعالى- و صفاته، مع صفاء أذهانهم، و شدّة قرائحهم، و صلابتهم فى [٣] التنقير عن قواعد الدين، و تحقيق مراسمه- و الكتاب و السنة مشحونان بأدلتها- مع معرفة الآحاد منا لذلك؛ فهو بعيد، لا يعتقده من له أدنى تحصيل، كما لم ينقل عنهم أنهم وضعوا كتبا فى التفسير، و الحديث، و الجرح و التعديل، و الناسخ و المنسوخ، و الأحكام الفقهية، على الترتيب الخاص، و المراسم
[١] فى ب (الإيجاب).
[٢] فى ب (و الأقرب).
[٣] فى ب (مع).