أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٣٩
الثالث: هو أن النظر مضاف إلى الرب- تعالى- بقوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فلو حمل النظر على الانتظار. فإما أن يكون المنتظر هو الرب [١]- تعالى- أو غيره.
فإن كان الأول: فهو محال؛ إذ الرب- تعالى- لا ينتظر نفسه؛ إذ الانتظار توقع وقوع أمر ما، و الرب- تعالى- لا يتوقع وقوعه.
و إن كان الثانى؛ فيلزم منه الإضمار؛ و هو خلاف الأصل.
الرابع: هو أن الموصوف بالنظر الوجوه؛ و هى بمعنى الجوارح؛ كما سبق؛ و الوجوه بمعنى الجوارح لا توصف بالانتظار.
الخامس: أن الوجوه الموصوفة بكونها ناظرة، موصوفة بالنضارة بقوله: وجوه يومئذ ناضرة، و النضارة، و الابتهاج إنما [٢] تحصل بالنظر، لا بالانتظار [٢].
و أما قوله- تعالى- فى حق الكفار: (وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) فمحمول أيضا على النظر الحقيقى؛ و هو الرؤية. غير أن النظر الحقيقى ينقسم إلى نظر سخط: و هو ما يتعقبه العقوبة. و إلى نظر رحمة: و هو ما يتعقبه الإحسان، و الرأفة. و عند ذلك: فلا يلزم من كونه غير ناظر إليهم نظر رحمة ألا يكون ناظرا إليهم أصلا؛ فإنه لا معنى لنظر الرحمة، غير النظر الّذي يعقبه الصفح و العفو، فإذا لم يعقب نظره إليهم العفو، و الصفح. قيل لم ينظر إليهم نظر رحمة؛ و إن كان ناظرا إليهم [٣] حقيقة.
و أما قوله- تعالى- أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [٤]. فالمراد به النظر الحقيقى. غير أن النظر الحقيقى في حقنا ينقسم:/ إلى ما يعقبه الاعتبار. و إلى ما لا يعقبه الاعتبار. و المراد من الآية إنما هو النظر الأول دون الثانى، و ذلك لا ينافى النظر الحقيقى.
قولهم: إنه حقيقة في النظر، المشروط بالشروط المعتبرة من قبل.
قلنا: النظر حقيقة، لا يختلف بالشروط و عدمها؛ بل غايتها أن وجود النظر متوقف عليها، لا نفس الحقيقة؛ إذ شرط الوجود لا يكون داخلا في المفهوم من النظر.
[١] فى ب (الله).
[٢] فى ب (لا يحصل الا بالانتظار).
[٣] فى ب (لهم).
[٤] سورة الغاشية ٨٨/ ١٧.