أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٥٣٢
و بيانه: أن القرآن أنزل بلغة العرب على ما قال- تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [١] و قوله تعالى:- وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [٢]. و العرب ما كانت تفهم من الرؤية غير ما ذكرناه؛ فكان اسم [٣] النظر موضوعا بإزائها؛ و ذلك في حق الله- تعالى- محال.
و إذا تعذر حمل لفظ النظر على حقيقته؛ فلا بد من التجوز حذرا من تعطيل اللفظ؛ و ذلك بحمله على الانتظار، أو غيره مما يحتمله اللفظ.
سلمنا أنه للرؤية مطلقا؛ و لكن يجب تأويله بحمله على رؤية ثواب الرب- تعالى- بطريق حذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه. و دليل وجوب العمل بهذا التأويل:
السمع، و العقل.
أما السمع: فقوله- تعالى-: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [٤]/ فهذه الآية صريحة في نفى إدراك الله- تعالى- بالأبصار.
كيف و قد ورد ذلك في معرض التمدح، و الاستعلاء، فلو أمكن أن يكون مدركا في وقت ما؛ لزال عنه التمدح، و الاستعلاء؛ و هو محال؛ و الجمع بين العمل بها [٥]، و بظاهر ما ذكرتموه؛ ممتنع.
و عند ذلك فلا بد من تأويل ما ذكرتموه حذرا من تعطيل أحد الدليلين.
و أيضا: قوله- تعالى-: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [٦]. دل على امتناع الرؤية في حق من يكلمه فمن لا يكلمه أولى أن لا يراه، و لأنه لم يفرق أحد من الأمة بينهما.
و أيضا: قوله- تعالى:- وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [٧] وصف من سأل رؤيته بالعتو، و لو كانت الرؤية غير ممتنعة؛ إما لذاتها أو لغيرها؛ لما كان كذلك كما لو سأل غيرها من الممكنات.
[١] سورة يوسف ١٢/ ٢.
[٢] سورة ابراهيم ١٤/ ٤.
[٣] ساقط من ب.
[٤] سورة الانعام ٦/ ١٠٣.
[٥] فى ب (بهذه الآية).
[٦] سورة الشورى ٤٢/ ٥١.
[٧] سورة الفرقان ٢٥/ ٢١.