أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٦٤
الصفة العاشرة: «النزول» [١]
و قد ورد في الصحاح المنقولة عن الثقات عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن الله- تعالى- ينزل إلى السماء الدّنيا في كلّ ليلة، و في رواية: فى كلّ ليلة جمعة، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» [٢] و ظاهر لفظ النزول، للانتقال، و الحركة من جهة العلوّ، إلى جهة السفل.
فمن حمله على ذلك في حق الله- تعالى- من المشبهة؛ فقد أوجب كون البارى- تعالى- متحيزا؛ لانتقاله في الأحياز، و تبدّلها عليه؛ و هو محال، كما يأتى.
و لما تعذر حمله على ما هو ظاهر فيه، اختلف الأئمة.
فذهب بعض السلف: إلى حمل النزول في حق الله- تعالى- على نزول لا كنزولنا من غير حركة و انتقال. و هو و إن كان ممكنا في نفس الأمر، غير أنه لا يدل عليه قاطع، و لا لفظ النزول في الخبر يحتمله على ما سبق؛ فتعين التأويل بما يحتمله لفظ النزول؛ و هو حمل النزول على معنى اللطف و الرحمة، و ترك ما يليق بعلو الرتبة و عظم الشأن، و الاستغناء الكامل/ المطلق.
و لهذا يقال: نزل الملك مع فلان إلى أدنى الدرجات؛ عند لطفه به، و انبساطه في حضرة مملكته. و فائدة ذلك الانبساط الخلق على التقرب بالعبادات، و إلا فلو نظر إلى ما يليق بمملكته، و علو [٣] شأنه، و عظمته؛ لما وقع التجاسر من العبيد على [٤] خدمته [٤]، و الوقوف بين يديه في طاعته؛ فإن العباد (و) [٥] عباداتهم من صومهم، و صلاتهم بالنسبة
[١] انظر الشامل لإمام الحرمين ص ٥٥٧ و
إلجام العوام عن علم الكلام ص ٦٥ ضمن مجموعة القصور العوالى و أساس التقديس للرازى
ص ١٠١، و من كتب الآمدي: غاية المرام ص ١٣٧، ١٤٢.
[٢] هذا الحديث أورده الآمدي أيضا في غاية
المرام ص ١٣٧، كما ذكره كثير من أئمة المذهب في كتبهم، و أولوه تأويلات عدة، و قد ذكره
ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص ١٥ و قال: انه متفق عليه.
و قد ورد هذا الحديث مع اختلاف في الألفاظ
في كثير من الصحاح فقد ورد في صحيح البخارى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- (كتاب التهجد،
باب الدعاء و الصلاة من آخر الليل) ٢/ ٦٣، و صحيح مسلم ١/ ٥٢١- ٥٢٢ (كتاب المستغفرين،
باب الترغيب في الدعاء و الذكر في آخر الليل و الإجابة فيه).
كما ورد هذا الحديث أيضا في سنن أبى داود
و سنن الترمذي و مسند الإمام أحمد.
[٣] فى ب (و عظم).
[٤] فى ب (لخدمته).
[٥] ساقط من أ.