أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٤٠٩
الوجه الثالث: هو أنه إذا كان المحل حيا مع صحة الحاسة، و انتفاء الموانع، و المدرك موجود؛ فإنا نعلم حصول المدركية، و لا شك أنها موقوفة على وجود المدرك.
و عند ذلك، إما أن تتوقف المدركية على شرط آخر، أو لا.
فإن توقفت على شرط آخر: فإما أن يكون من الشرائط [١] المذكورة من صحة الحاسة، و انتفاء الموانع، من القرب المفرط، و البعد المفرط، و ارتفاع الحجب، أو خارجا عنها.
لا جائز أن يقال بالأول: لأن هذه الشروط إنما يعقل ثبوتها في حق الأجسام، و الله- تعالى- ليس بجسم؛ فلا يتصور ثبوتها في حقه. و ما استحال ثبوته لشيء [٢]، استحال كونه شرطا في ثبوت غيره لذلك الشيء؛ لأن كونه شرطا: صفة ثبوتية. و الصفة الثبوتية: لا تكون صفة للعدم الصرف.
و لا جائز أن يقال بالثانى: و إلا لزم عدم الإدراك عند فرض عدمه مع وجود ما قيل من الشرائط؛ و هو ممتنع، مخالف لما هو معلوم لنا بالضرورة.
و إن كان الثانى؛ فهو المطلوب.
و هو ضعيف أيضا؛ إذ لقائل أن يقول:
لا نسلم أن علة المدركية في الشاهد، كون المدرك حيا.
و أما ما ذكروه من الدوران؛ فباطل بما سبق في قاعدة الدليل [٣] كيف و قد أمكن أن يكون حلول الحياة في العضو مع اتصاله بالجملة الحية من جملة المصحح.
و أما الوجه الثانى: فباطل؛ إذ لا مانع من كون العلة صحة الحاسة.
قولهم: معنى صحة الحاسة، انتفاء الآفات، لا نسلم [ذلك [٤]]؛ بل هو عبارة عن اعتدال المزاج، و هو أمر وجودى لا عدمى.
[١] فى ب (الشروط).
[٢] فى ب (للشىء).
[٣] انظر ل ٤٠/ أ.
[٤] ساقط من أ.