أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٦٣
و قوله- تعالى-: نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [١]. و أما قوله- تعالى-: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [٢]. فيحتمل أنه أراد به فعله من الثواب، و العقاب، و نحوه؛ فإن الأمر قد يطلق بإزاء الفعل. كما قال- تعالى-: وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [٣]: أى فعلنا، و قوله- تعالى-: وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [٤]: أى فعله. و يحتمل أنه أراد به الأمر القولى المركب من الحروف، و الأصوات دون مدلوله. و قوله- تعالى- إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [٥]؛ فالمراد بالجعل التسمية: أى سميناه بذلك؛ فإن الجعل قد يطلق بمعنى التسمية، و منه قوله- تعالى- الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [٦]: أى يسمونه كذبا. و قوله- تعالى- وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [٧]: أى سموهم بذلك.
و يحتمل أنه أراد به القرآن: بمعنى القراءة دون مدلولها؛ فإن القرآن قد يطلق بمعنى القراءة. و منه قول النبي عليه الصلاة و السلام: «ما أذن اللّه لشيء [٨] إذنه لنبىّ حسن التّرنّم بالقرآن» [٩]: أى القراءة.
و منه قول الشاعر:
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به يقطّع اللّيل تسبيحا و قرآنا [١٠]
أى قراءة.
و أما الأخبار: فيجب حملها على الدلائل دون المدلولات، و هى الحروف و الأصوات؛ لما فيه من الجمع بين الدليلين.
قولهم: إن الأمة مجمعة على أن القرآن مؤلف من الحروف و الأصوات.
[١] سورة الزمر ٣٩/ ٢٣.
[٢] سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧.
[٣] سورة القمر ٥٤/ ٥٠.
[٤] سورة هود ١١/ ٩٧.
[٥] سورة الزخرف ٤٣/ ٣.
[٦] سورة الحجر ١٥/ ٩١.
[٧] سورة الزخرف ٤٣/ ١٩.
[٨] فى أ (لبنى).
[٩] هذا الحديث أورده البيهقى في الأسماء
و الصفات (ص ٢٦٢) و قال:
(رواه البخارى و مسلم في الصحيح عن ابراهيم
بن حمزة و أخرجه مسلم من وجه آخر).
[١٠] هذا البيت من شعر حسان بن ثابت- شاعر
الرسول عليه الصلاة و السلام- قاله في رثاء عثمان بن عفان.
انظر (ديوان حسان بن ثابت) نشر دار صادر.
بيروت سنة ١٩٦١ ص ٢٤٨.