أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٠٠
و قبل الخوض في الحجاج [١] نفيا، و إثباتا؛ لا بدّ من تحقيق معنى الإرادة على مذهب أهل الحق من أئمتنا؛ ليكون التوارد بالنفى، و الإثبات على معنى واحد.
و قد اختلفت عباراتهم فيها:
فقال بعضهم: هى القصد إلى المراد.
و قال بعضهم: هى إيثار المراد.
و قال بعضهم: هى اختيار الحادثات [٢].
و قال القاضى أبو بكر: هى المشيئة المجردة.
و في هذه العبارات نظر.
أما العبارة الأولى و الثانية: ففيهما تعريف الإرادة بالمراد، و المراد مشتق من الإرادة؛ فيكون أخفى في المعرفة من معرفة الإرادة؛ فلا يصلح للأخذ في التعريف.
و الّذي يخص العبارة [٣] الأولى: أن الإرادة أعم من القصد، و تعريف الأعم بما هو أخص منه ممتنع؛ و لهذا فإن الإرادة على رأى الأصحاب يجوز تعلقها بفعل الغير، و القصد إلي فعل الغير؛ ممتنع.
و قول القائل في العرف: قصدى لفعلك لأجل مصلحتك؛ فمن أجل مصلحتك، فمن باب التجوز، و التوسع؛ و الكلام إنما هو في الحقيقة.
و أما العبارة الثانية: و هى الإيثار. فقد قيل فيها: الإيثار مشعر بسابقة التردد بين أمرين.
أحدهما أثر عن الآخر، و الإرادة أعم من ذلك؛ فإنّها قد تكون حيث لا تردد:
كالمكره على فعل شيء؛ فإنه لا يخطر له غير الفعل الّذي به نجاته؛ و هو مريد له.
و يمكن دفعه: بأنه مؤثر لجانب فعله علي عدمه، و لا خلو له عنه. و ما مثل هذا التشكيك فوارد على العبارة الثالثة: و هى الاختيار.
[١] فى ب (الحجج).
[٢] فى ب (الجاريات).
[٣] فى ب (الإرادة).