أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٧١
و أيضا: فإن التوصل من الصفات الإحكامية [١] فى حق الغائب، إلى الصفات النفسانية يوجب أن تكون الصفات الإحكامية، أعرف من الصفات النفسانية، و إلا لما أمكن التوصل بها إلى معرفتها. و إذا كانت الصفات النفسانية، أخفى فكيف [توجد [٢] في حد الصفات الإحكامية [٢]] و شرط المعرف؛ أن يكون أعرف مما يعرف به.
و لما تخيل بعض الأصحاب [٣] ضعف هذه الطريقة؛ لم يستند في إثبات أحكام الصفات عند ظهور الإتقان في الكائنات، و كذا في إثبات الصفات عند ثبوت أحكامها، إلى غير الضرورة، و دعوى البديهية، دون إلحاق الغائب الشاهد.
و هو بعيد أيضا؛ فإن العلم الضرورى بذلك، و إن كان واقعا في الشاهد جريا على العادة، فإن من رأى بناء مرتفعا، و صناعة محكمة في الشاهد؛ اضطره عقله إلى العلم بعلم صانعه، و قدرته، و إرادته، إلى غير ذلك من الصفات، و لا يلزم مثله في الغائب؛ و إلا لاطرد ذلك فيما نعلمه بالضرورة في الشاهد: من كون صانع البناء المحكم حيوانا، متحركا بالإرادة، مغتذيا، ناميا، مولدا؛ و ليس كذلك.
و أيضا: فإنه لو خلى الإنسان، و دواعى نفسه من مبدأ نشوه، إلى آخر عمره من غير التفات إلى نظر، أو تقليد؛ لم يجد من نفسه/ العلم بذلك في حق الغائب أصلا. و لو كان بديهيا؛ لما كان كذلك، و لما خالف فيه أكثر العقلاء. و إن اكتفى في ذلك بمجرد الدعوى؛ فقد تؤمن المقابلة بمثله في طرف النقيض. هذا كله بعد تسليم ثبوت أحكام لهذه الصفات، وراء قيام الصفات بالذات؛ و إلا فالاستدلال باطل.
و القول [٤] بأنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات مع كونه حيا؛ لكان متصفا بما يقابلها؛ فالتحقيق فيه يتوقف على بيان حقيقة المتقابلين، و بيان أقسامهما؛ فنقول:
أما المتقابلان: فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة.
و هو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق، و لا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين.
[١] عن الصفات الإحكامية انظر المبين ل
١٦/ أ، ب حيث يقول (و أما الصفة الحكمية و يعبر عنها بالصفة المعللة، فما كانت في الحكم
بها على الذات تفتقر إلى قيام صفة أخرى بالذات ككون العالم عالما، و القادر قادرا).
و من هذا البيان يتضح أن الصفات الحكمية ليست إلا نتائج، أو أحكاما للصفات النفسية.
[٢] فى ب (يؤخذ في حد الصفات النفسانية)،
و في (أ) (توجد في الصفات الإحكامية).
[٣] المقصود به الباقلانى. انظر نهاية الأقدام
للشهرستانى ص ١٧٣ و انظر أيضا الإرشاد لإمام الحرمين ص ٦٢.
[٤] يرفض الآمدي أيضا هذا القول: و هو إثبات
الصفات عن طريق نفى أضدادها. و قد قال به الأشعرى عند إثباته بعض الصفات. انظر اللمع
ص ٢٥، ٢٦.