مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٩١ - الكتابة في القرآن الكريم
قال الخطيب في تقييد العلم: ٧٠ و ٧١" و في وصف رسول الله ((صلى الله عليه و سلم)) الكتاب أنه قيد العلم دليل على إباحة رسمه في الكتب(١)لمن خشي على نفسه دخول الوهم في حفظه و حصول العجز عن إتقانه و ضبطه، و قد أدب الله سبحانه عباده بمثل ذلك فقال عز و جل: وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا فلما أمر الله تعالى بكتابة الدين حفظا له و احتياطا عليه و إشفافا من دخول الريب فيه كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين أحرى أن تباح كتابته خوفا من دخول الشك و الريبة و يشك فيه".
أقول: إن كان الأمر مولويا يفيد الوجوب في الدين فهو هنا آكد لأهمية أصول الدين و فروعه، و إن كان إرشادا يفيده فهو هنا أيضا آكد و يمكن أن يقال: إذا قلنا بالاستحباب في الأموال نستفيد منه الوجوب هنا، لمكان العلل المذكورة، لأن دفع الريب في الدين واجب قطعا، و أن الأمر إرشاد إلى ما يحكم به العقل، فحكم العقل في وجوب حفظ الدين واضح لا مرية فيه(٢).
(١) مدلول الآية الكريمة وجوب الكتاب أو استحبابه أو الارشاد إلى ما يحكم به العقل على اختلاف الموارد وجوبا و استحبابا و لكن الخطيب استفاد منها الاباحة حفظا لكرامة الذين نهوا عنه و حرموه كما يأتي و الآية الكريمة ليست في مقام بيان الإباحة إذ لم يكن هناك توهم الحرمة حتى يبين عدمها، بل الآية كما يستفاد من التعليل لبيان الوجوب أو الاستحباب أو الإرشاد كما اوضحناه.
قال ابن حجر في الفتح ١٨٣: ١:" و إن كان الأمر استقر و الاجتماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه (يعنى بعد أمر عمر بن عبد العزيز) بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم".
(٢) راجع في تفسير الآية: أحكام القرآن للجصاص ٢٠٥: ١ و ما بعدها و زبدة البيان: ٤٤٣ و مسالك الإفهام ٥٧: ٣ و كنز العرفان ٤٧: ٢ و تفسير الطبري ٧٧: ٣: و القرطبي ٣٨٣: ٣ و ٣٨٤ و المنار ١٣٥: ٣ و التبيان ٣٧١: ٢ و تفسير الرازي ١١٠: ٧ و مجمع البيان ٣٩٧: ٢ و الدر المنثور ٣٧: ١.
قالوا:" ذهب عطاء و ابن جريج و النخعي و الطبري إلى وجوب الكتابة و كذا عن الضحاك و الربيع و آخرون قالوا: بالندب، و على هذا جمهور الفقهاء و المجتهدين، لاجماع المسلمين على جواز البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتابة و لا إشهاد، و لأن في ايجابهما حرجا و ضيقا، و النبي ((صلى الله عليه و آله)) بعث بالشريعة السهلة السمحة" و راجع فتح الباري ١٨٢: ١ و عمدة القاري ١٥٨: ٢ و ١٦٧.