مكاتيب الرسول(ص) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٦٤٠ - فاجعة مؤلمة أخرى
و أقواله و أفعاله و دينه، و ما جاء به من الله تعالى، و فصلنا القول في علة هذا العمل و بواعثه، و لكن اتباع مدرسته عللوا عمل المنع عن نشر الحديث و نقله بوجوه:
منها: أن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن، فخشى عليهم الاشتغال بغيره، إذ هو الأصل لكل علم.
منها: أن عمر إنما نهى الحديث عما لا يفيد حكما و لا يكون سنة.
منها: أن نهيه عن الإكثار و أمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله" إنما كان خوف الكذب على رسول الله" و خوفا من أن يكون مع الاكثار يحدثون بما لا يتيقنوا حفظه(١). و منها: أنه فعل ذلك احتياطا للدين و حسن نظر للمسلمين، لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال و يتكلموا على ظاهر الأخبار.
و لا يخفى بطلان هذه التوجيهات بعد الإحاطة بما قدمناه مضافا إلى أن هذه الوجوه لا توجب المنع مطلقا، و لا توجب أن يكون حديث الصحابة شر حديث، و لم يقل لهم: لا تكذبوا بل قال: جردوا القرآن و أقلوا و لا تشغلوهم عن القرآن، لأن هذه المذكورات لا تناسب هذه الوجوه.
و لأجل بطلان هذه الوجوه اضطر العجاج إلى تكذيب حديث قرظة بن كعب، و لا باس ينقل كلامه بلفظه، قال بعد نقل كلام هؤلاء بطوله:
" ان المرء ليقف متسائلا أمام هذا الخبر و يقربه الشك فيه و يتبادر إلى نفسه أن يتساءل عن الحد الذي يمكن أن يعرف به الإقلال و الإكثار، و قد ناقش الإمام ابن حزم هذا و رده و قال:
هذا مرسل و مشكوك فيه من (شعبة) فلا يصح و لا يجوز الاحتجاج به، ثم
(١) السنة قبل التدوين باختصار منا.