منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٩ - المعنى
أنّ من تمرّد عن أمره و خالفه اشدّ افتقارا و حاجة إلى غفرانه و رحمته ممن قام بوظايف الطاعة و العبادة، و الأظهر أن يراد به الأعمّ من ذلك، و يكون المعنى أنّ من أدبر و تولّى عن حكمه و لم يرض بقضائه و قدره لا يمكن استغنائه عنه و انقطاع افتقاره منه.
و يوضح ذلك ما رواه الصّدوق في التّوحيد باسناده عن سعد الخفاف عن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين ٧ لرجل: ان كنت لا تطيع خالقك فلا تأكل رزقه، و إن كنت و اليت عدوّه فاخرج من ملكه، و إن كنت غير قانع بقضائه و قدره فاطلب ربّا سواه.
(كلّ سرّ عندك علانية و كلّ غيب عندك شهادة) و هما إشارتان إلى عموم علمه و إحاطته، و قد مرّ ذلك في شرح الفصل السّابع من الخطبة الاولى و نقول هنا مضافا إلى ما مرّ: انّ واجب الوجود سبحانه مجرّد غاية التجرّد، و الغيبة و الخفاء إنّما يتصوّران بالنسبة إلى القلوب المحجوبة بحجب الطّبيعة و سترات الهيآت البدنية و الأرواح المستولى عليها نقصان الامكان الحاكم عليها بجهل أحوال ما هو أكمل منها، و الواجب تعالى لتجرّده و بساطته و منتهى كماله لا يحجبه شيء عن شيء و فوق كلّ شيء ليس فوقه شيء حتى يقصر عن إدراكه.
مجاز (أنت الأبد فلا أمد لك) أى أنت الدّائم فلا غاية لك يقف عندها وجودك و ذلك لاستلزام وجوب الوجود امتناع العدم و الانتهاء إلى الغاية، و يمكن ان يكون إطلاق الأبد عليه سبحانه من باب المجاز مبالغة في الدّوام، و الأصل أنت ذو الأبد على حدّ قوله: فانما هى إقبال و إدبار، و قوله: فأنت طلاق، و هذا المجاز شايع في عرف العرب.
(و أنت المنتهى فلا محيص عنك) أى إليه مصير الخلائق و وقوفهم عنده و إليه انتهاؤهم و إيابهم فيجزى كلّ أحد ما يستحقّه من الثواب و العقاب، فلا محيد عن حكمه و لا مهرب عن أمره و لا معدل يلجئون إليه كما قال تعالى: