منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢١ - المعنى
كمال قدرته من الممكنات الغير المتناهية و من البيّن أنّ قياس الموجود على الممكن و نسبته إليه في العظم و الكثرة يستلزم صغره و حقارته ثمّ قال (و ما أهول ما نرى من ملكوتك و ما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك) و هو تعجّب من هول ما وصلت إليه العقول من عظمة ملكوته ثمّ من حقارته بالنسبة إلى ما غاب عنها و خفى عليها مما هو محتجب تحت أستار القدرة و حجبّ العزّة من بدايع الملاء الأعلى و عجائب العالم العلوى و سكّان حظائر القدس.
ثمّ قال (و ما اسبغ نعمك في الدّنيا و ما أصغرها في نعم الآخرة) و هو تعجّب من سبوغ نعمه على عباده في الدّنيا بما لا تحصى ثمّ من حقارتها بالقياس إلى نعم الآخرة و ما أعدّه للمؤمنين فيها من الجزاء الأوفى، فانّ نسبتها إليها نسبة المتناهى إلى ما لا يتناهى كما هو ظاهر لا يخفى.
ثمّ إنّه سلام اللّه عليه و آله لما افتتح كلامه بذكر أوصاف العظمة و الكبرياء للرّب العزيز تبارك و تعالى عقّبه بذكر حالات ملائكة السماء و أنّهم على ما هم عليه من القدس و الطهارة و الفضايل الجمّة و الكمالات الدثرة الّتي فضّلوا بها على الاشباح و الأقران و تميزوا بها عن نوع الانسان، و من العلم و المعرفة التي لهم بخالقهم، و الخوف و الخشية التي لهم من بارئهم، و الخضوع و الخشوع الذى لهم لمعبودهم لم يعبدوه حقّ عبادته و لم يطيعوه حقّ طاعته.
فقال (من ملائكة أسكنتهم سماواتك و رفعتهم عن أرضك) هذا محمول على الأغلب أو المراد أنّ مسكنهم الأصلي هو السّماء، فلا ينافي كون بعضهم في الأرض لاقتضاء المصلحة و التّدبير مثل الكرام الكاتبين و المجاورين بمرقد الحسين ٧ و نظرائهم.
(هم أعلم خلقك بك) لتجرّدهم و بعد علومهم من منازعة النفس الأمارة التي هي مبدء السّهو و النسيان و الغفلة، فيكونون أبلغ معرفة و أكمل علما (و أخوفهم لك) لأنّ العلم كلما كان أكمل كان الخوف آكد و الخشية أشدّ كما قال تعالى:
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.