منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٨٦ - المعنى
يكتسبها و علّة الأخلاق الرّذيلة حتّى يجتنبها، أو يتفكر في علّة العلل و ساير العلل المتوسّطة، أو يتفكّر في علّة وجوده و أنّه إنّما خلقه اللّه للمعرفة و الطّاعة، و حيث اى يعلم مواضع الامور و يعرف مقام نفسه فيضعها فيه و لا يتعدّى قدره، و عرف النّاصح له ممّن غشّه فيقبل النّصح من الأوّل و إن كان عدوّا له، و يحترز من تدليس الثاني و إن كان صديقا له: فاذا عرف ذلك عرف مجراه أى سبيله الذى يجرى فيه إلى الحقّ أو يعلم انه متوجه إلى الآخرة فيعمل بمقتضى هذا العلم و لا يتشبّث بالدّنيا و شهواتها، و موصوله و مفصوله، أى ما ينبغي الوصل معه من الأعمال و الاشخاص و ما ينبغي الفصل منه، و اخلص الوحدانيّة للّه سبحانه، و علم أنه الواحد الحقيقى لا جزء له عقلا و ذهنا و خارجا و لا شريك له أصلا، و أقرّ بأنّه لا يستحقّ الطاعة غيره، فاذا فعل ذلك أى الاخلاص و الاقرار، كان مستدركا في غابر الزمان لما فات منه في سالف الأيّام من التكاليف التي كان يلزم عليه القيام بها، و استدراكها انّما هو بالتوبة و القيام بوظايفها، و وارد على ما هو آت من الأعمال الحسنة أو المراتب العالية، يعرف ما هو فيه أى النّشاة الفانية و فنائها و معايبها، و لأىّ شيء هو ههنا يعنى يعرف أنه انما أنزله اللّه تعالى إلى دار الدّنيا للمعرفة و تحصيل السّعادات الاخروية، فيبذل همّته و جهده فيها، و من أين يأتيه أى النّعم و الخيرات، و يعلم موليها فيشكره و يتوكّل عليه و يتوسّل به لا بغيره أو الأعمّ منها و من البلايا و الشرور و الآفات و المعاصى، فيعلم أنّ المعاصي من نفسه الامارة و من الشّيطان فيحترس منهما، و إلى ما هو صائر أى الموت و أحوال القبر و أهوال الآخرة و نعيمها و عذابها، أو الأعمّ منها و من درجات الكمال و دركات النقص، و ذلك كلّه من تأييد العقل أى من ثمرات كون العقل مؤيدا بالنّور حسبما عرفت فافهم و اغتنم هذا.
و قد ظهر بما ذكرنا كلّه أنّ العالم من كمل عقله و عرف قدره و لازم مقامه و لا يرفع نفسه فوق قدرها و لا يتعدى وظيفته و لا يدعى الانيّة له فانّ الرياسة لا تصلح إلّا لأهلها (و انّ من أبغض الرّجال إلى اللّه) سبحانه المغضوب عنده المصروف عنه نظر العناية الأزليّة و الألطاف الرّبانيّة (لعبد) استبدّ برأيه و استقلّ بظنّه