منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٤ - الفائدة الثانية
و لا محبّة إلّا بالانس الحاصل بدوام الذكر، و لا معرفة إلّا بدوام الفكر و فراغ القلب شرط في كلّ واحد منهما، و لا فراغ مع المخالطة.
الفائدة الثانية
التخلّص بالعزلة عن المعاصى التي يتعرّض الانسان غالبا لها بالمخالطة و يسلم منها في الخلوة، و هى أربعة: الغيبة، و الرّياء، و السّكوت عن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و مسارقة الطبع من الأخلاق الرّديئة و الأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدّنيا.
أما الغيبة فانّ التحرّز منها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلّا الصدّيقون لأنّ عادة الناس كافة التمضمض بأعراض النّاس و التّفكه و التنقّل بحلاوتها، و هى طعمتهم و لذّتهم، و إليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة، فان خالطتهم و وافقتهم أثمت و تعرّضت لسخط اللّه، و إن سكتّ كنت شريكا، و المستمع أحد المغتابين، و إن أنكرت أبغضوك و تركوا ذلك المغتاب و اغتابوك، فازدادوا غيبة إلى غيبة، و ربّما تعدّوا عن الغيبة إلى الاستخفاف و الاستهزاء و الشتم.
و أما الامر بالمعروف و النهى عن المنكر فمن خالط النّاس فلا بدّ له من مشاهدة المنكرات، فان سكت عصى اللّه به، و إن أنكر تعرّض لأنواع من الضرر و الأذى، و في العزلة خلاص من ذلك، فانّ الأمر في اهماله شديد، و القيام به شاق، فانّه كجدار مائل يريد الانسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه، فاذا سقط عليه يقول: يا ليتنى تركته مائلا، نعم لو وجد أعوانا أمسكوا الحائط حتّى يحكمه بدعامة لاستقام، و أنت اليوم لا تجد الأعوان فدعهم و انج بنفسك قال الشّاعر:
|
و كم سقت في آثاركم من نصيحة |
و قد يستفيد البغضة المتنصّح |
|
و أما الرياء فهو الداء العضال الذى يعسر الاحتراز منه على الأوتاد و الأبدال و هو إمّا في العبادات أو فى العادات و قد مرّ تحقيق الكلام في الأوّل في شرح الخطبة الثّالثة و العشرين و عرف هنالك أنّ الاعتزال من النّاس علاجه