منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٤٠ - المعنى
(فأسلموه فيه إلى عمله و انقطعوا عن زورته) و وجد ما عمله محضرا فان كان العمل صالحا فنعم المونس و المعين، و إن كان سيئا فبئس المصاحب و القرين و العدوّ المبين أقول: لو كان كلام يؤخذ بالأعناق في التزهيد عن الدّنيا و الترغيب الى الآخرة لكان هذا الكلام الذى في هذا الفصل، و ما أبعد غوره و اجزل قدره، فانّ عمدة ما أوجب رغبة الراغبين إلى الدّنيا و الرّاكنين اليها و المغترّين بها إنما هى امور ثلاثة احدها حبّ المال و الثاني حبّ الوجود و الثالث حبّ الأولاد و البنين و الأزواج و الأقربين، فزهّد ٧ عن كلّ ذلك بأحكم بيان و أوضح برهان.
أما عن المال فبأنه عن قريب يفارقه و ينتقل عنه و يكون لذّته و مهنائه لغيره و يبقى وزره و تبعته عليه.
و أمّا عن وجوده و نفسه فبأنّه سينمحى أعضاؤه و جوارحه و يبطل قواه و آلاته و يكون بالآخرة جيفة منبوذة بين أهله.
و أما عن الأولاد و الابناء و الاخوان و الأقرباء فبأنهم سيفارقونه و يتنفّرون عنه و يستوحشون منه، فمن كان مآل ما أحبّه ذلك فكيف يغترّ بذلك مع علمه بأنّ كلّ ذلك واقع لا محالة و اعتقاده بأنّ الموت لا يمكن الفرار منه البتة.
قال عليّ بن الحسين ٨: عجب كلّ العجب لمن أنكر الموت و هو يرى من يموت كلّ يوم و ليلة، و العجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة و هو يرى النشأة الاولى و قال اللّه سبحانه:
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
روى الأعمش عن خثيمة قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود على نبيّنا و آله و ٨ فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر اليه، فلما خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته ينظر الىّ كأنه يريدني، قال ٧: فما ذا تريد؟ قال: اريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتّى تحملني إلى أقصى الهند، ففعلت الرّيح ذلك ثمّ قال سليمان ٧ لملك الموت بعد أن أتاه ثانيا:
رأيتك تديم النظر إلى واحد من جلسائى، قال: نعم كنت أتعجّب منه، لأنى كنت