منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٩ - المعنى
استعارة بالكناية أيضا و ذكر الخطام و الوضين تخييل و ذكر الجولان و القلق ترشيح قال المحدّث المجلسيّ (ره): و الغرض عدم تمكّنهم من الانتفاع بالدّنيا و صعوبتها عليهم و عدم انقياد هالهم كما يستصعب النّاقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام قلقة الوضين لا يثبت رحلها تحت راكبها.
أقول: و الأظهر عندى أنّ الغرض بذلك الاشارة إلى أنهم لم يتمكّنوا من الانتفاع بالدّنيا و من رضاع أخلافها و تولية أمرها إلّا من بعد ما أصابوها و ليس لها صاحب و لا فيها أمر و سلطان حقّ يمنعهم من تولى أمرها و التّصرف فيها بمنزلة ناقة ليس لها صاحب و لا لها راكب فانّ الناقة إذا كان لها راكب يركبها يمسك خطامها و يشدّ وضينها و يملك أمرها و يمنع من تسلّط الغير عليها، فجولان الخطام و اضطراب الوضين إنّما يكونان مع عدم من يملك أمرها و بتلك الحال يتمكّن منها من يصادفها.
و يؤيد ما ذكرته قوله تشبيه (قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود) فانه ظاهر في أنّ المراد بالأقوام الخلفاء المتقدّمين الذين ولوها بلا وجه شرعيّ فانجرّ الأمر منهم إلى بني اميّة و تداولوها بينهم دولة جاهلية هذا.
و تشبيه الحرام بالسّدر المخضود إشارة إلى كثرة أكلهم له و رغبتهم به إن كان المخضود بمعنى المعطوف من كثرة الحمل، و إن كان بمعنى مقطوع الشّوك فوجه الشّبه أنّ نواهى اللّه سبحانه و وعيداته على فعل الحرام تجرى مجرى الشوك للسّدر في كونها مانعة منه زاجرة عنه كما يمنع الشوك عن اجتناء ثمرة السّدر و لما كان هؤلاء الأقوام قد اغمضوا عن النّواهى و الوعيدات و لم يبالوا بها فصار الحرام عندهم بمنزلة السّدر النّاعم الأملس الخالي عن الشّوك في سهولة التناول (و) من أجل عدم المبالات أيضا صار (حلالها بعيدا غير موجود) أى بين هؤلاء الأقوام أو بين عموم الناس لعدم دليل لهم يرشدهم إلى الحلال و ينقذهم من الحرام ثمّ نبّه ٧ على سرعة زوال الدّنيا و انقضائها بقوله (و صاد فتموها و اللّه ظلّا ممدودا إلى أجل معدود) تهديدا لهم عن الابتهاج بها و تحذيرا عن الاغترار بلذّاتها.