منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١ - الثالثة
أمّا الجارية على الولاء فهى إما لدفع تاليها سابقها أولا نجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء و فاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلّا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء و يفيض، و هكذا استتبع كلّ جزء منه جزء آخر و أما العيون الرّاكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من قوّتها و كثرة موادّها أن يحصل منها معاونة شديدة أو يدفع اللّاحق السابق و أما مياه القنى و الآبار فهى متولّدة من أبخرة ناقصة القوّة عن أن يشقّ الأرض، فاذا ازيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فان لم يجعل هناك مسيل فهو البئر، و إن جعل فهو القناة، و نسبة القنا إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة، و إنما كثر تفجّر العيون فى الجبال و الأماكن المرتفعة لشدّة احتقان الأبخرة تحتها بالنسبة إلى ساير الأماكن الهابطة الرّخوة، فانّ الأرض إذا كانت رخوة نفضت «نفذت خ ل» فلا يكاد يجتمع منه قدر ما يعتدّ به و قال الشيخ: هذه الأبخرة إذا انبعث عيونا أمدّت البحار بصبّ الأنهار إليها ثمّ ارتفع من البحار و البطائح و الأنهار و بطون الجبال خاصة أبخرة اخرى، ثمّ قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلّل منها على الدّور دائما
الثالثة
في حكمة خلق الهواء المشار إليها بقوله: و أعدّا لهواء متنسما لساكنها، فأقول: فيه نفع عظيم للانسان و الحيوان، لأنّه من ضروريّات العيش لأنها مادّة النفس الذى لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات، و قيل هنا: إنّ كلّ ما كانت الحاجة إليه أشدّ كان وجدانه أسهل و لمّا كان احتياج الانسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتّى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كلّ شيء، و بعد الهواء الماء، فانّ الحاجة إليه أيضا شديدة فلا جرم سهل أيضا وجدان الماء، و لكن وجدان الهواء أسهل لأنّ الماء لا بدّ فيه من تكلّف الاغتراف بخلاف الهواء