منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٨ - المعنى
و كيف كان فالاشارة بالواعظ المتّعظ إلى نفسه الشريف و مثله قوله: استعاره محسوس بالمحسوس- استعاره مرشحة- استعاره تخييلية (و امتاحوا من صفوعين قدر وقّت من الكدر) فانه استعار صفو العين للعلوم الحقة و هو من استعارة المحسوس للمعقول و الجامع أنّ العلم به حياة للأرواح كما أنّ صفو العين به حياة الأبدان و ذكر الترويق و الامتياح ترشيح للاستعارة أو الترويق تخييل و الامتياح ترشيح على ما مرّ و أراد الترويق من الكدر خلوّ تلك العلوم من شوائب الأوهام و بالامتياح أخذها من منبعها و هو أمر لهم باقتباس العلوم الشّرعية و المعارف الحقة منه ٧.
و لما أمر بذلك أردفه بالنهى عن الركون إلى الجهالة فقال ٧ (عباد اللّه لا تركنوا إلى جهالتكم) أى لا تميلوا إليها (و لا تنقادوا إلى أهوائكم) أى الأهواء الباطلة المخرجة عن كرائم الأخلاق إلى رذائلها و عن حقّ المصالح إلى باطلها (فانّ النازل بهذا المنزل).
يحتمل أن يكون المراد به من ادّعى الخلافة من غير استحقاق لها الذي وضع نفسه في مقام و نزل بمنزل ليس له أهليّة به و يشعر بذلك ما سيأتي من نهيه ٧ عن الشكاية إلى من لا يقدر على ازالة الشكوى و ما ذكر بعده من أوصاف الامام الحقّ ٧.
إلّا أنّ الأظهر بقرينة ما سبق أنّ المقصود به من نزل منزل الركون إلى الجهالة و مقام الانقياد إلى الأهواء، فانه لما نهى عن الركون و الانقياد علّله بذلك و أردفه به، يعني أنّ من ركن إلى جهالته و انقاد إلى هواه و استبدّ برأيه و استغنى به عن امامه فقد أسّس بنيان دينه على باطل لاقوام له و لاثبات.
و مثله مثل (نازل بشفا جرف هار) مشرف على السقوط و الانهدام و هو اقتباس من قوله سبحانه:
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ