منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٣٧ - المعنى
من أفخر ما يكون، ثم أذّن للناس بالدّخول و التّفرّج و التّنزّه فيه، فدخل الخاص و العام و جنح إليه الناس من جميع الأقطار يتعجّبون من حسنه و كماله.
و دخل بنو اميّة أوّلهم و آخرهم صغيرهم و كبيرهم، فلما نظروه و عاينوه حاروا و دهشوا و تخالفوا أنه أشبه بارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.
و جعلوا يقولون لمن عمل هذا القصر و اعدّت هذه الآلات المفتخرة و الزينة، فقال قوم: لا شك إنه يكون هذا القصر لأخيه أبي جعفر المنصور، و قال آخرون: ما هو إلّا لعمّه صالح، و اختلف أقاويلهم فيه.
و بلغ ذلك أبا العباس السّفاح فركب إليهم و قال: يا بني اميّة سيروا إلىّ حتى أجزل لكم العطاء، و افضّلكم على العرب و السّادات من ذوى الرتب، فنفروا منه نفورا عظيما، فبعث إليهم يقول: يا بني اميّة ما عملت هذا القصر إلّا لكم فاطمئنّوا بكلامي و ثقوا بما أقول، فانّ قومكم أخبروني بما دخل قلوبكم من الاضطراب و أنّكم تتخلّفون فزعا منى و من سطوتى و بأسى، و من يمنعني منكم إذا أردت بكم بأسا، فادخلوا القصر و لا تدخلونه إلّا و هو لكم و أنا أحلف لكم باللّه و رسوله إنّه لكم.
قال: فلمّا جائتهم البشارة اطمأنّوا بها و قال بعضهم: يا ويلكم اسعوا إلى مقاصيركم و منازلكم لكن ألبسوا سلاحكم و شدّوا عدّتكم، فان ثار عليكم أحد من النّاس القوه، ثمّ إنّكم إن تحصّنوا في هذا القصر لا يقدر عليكم أحد، فقالوا هذا هو الرّأى و الصواب الذى ليس فيه ارتياب، و قال بعضهم: إنا نخشى أنا إذا حصلنا توثق علينا أبوابه و تركب علينا العساكر فنحاصر في القصر فتصير المقاصير و الأحجار قبورنا، فقال أحدهم: هيهات هيهات ما يكون ذلك أبدا، لأنّه رجل و له اتصال برسول اللّه و هو زعيم القوم و خليفة اللّه على خلقه.
ثمّ اجتمع رأيهم على الانتقال إلى القصر و شاع في النّاس أنّه لم يرقطّ أحلم من السّفاح، لأنه عمد إلى قوم قتلوا أسلافه و عشيرته فأقطعهم القطايع و بنى لهم الجنان و رفع لهم المراتب.