منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٢ - المعنى
قال الطبرسي أى ليس يخاف اللّه حقّ خوفه و لا يحذر معاصيه خوفا من نقمته إلّا العلماء الذين يعرفونه حقّ معرفته و إنما خصّ العلماء بالخشية لأنّ العالم أحذر لعقاب اللّه من الجاهل، حيث يختصّ بمعرفة التوحيد و العدل و يصدّق بالبعث و الحساب و الجنّة و النّار.
(و أقربهم منك) أى من حيث الشرف و الرتبة لا بالمكان و المنزلة، لتنزّهه سبحانه عن المحلّ و المكان و تقدّسه من لوازم الامكان، و غير خفىّ أنّ نفضيلهم على غيرهم في القرب و الشرف إنما هو إضافيّ لا حقيقيّ فقد قدّمنا في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة التسعين أنّ بعض أفراد البشر كالنبيّ و الأئمة : أفضل منهم و أشرف، و قد تقدّم في الفصل المذكور شرح حالات الملائكة مستوفا، و كذلك في شرح الفصل التّاسع من فصول الخطبة الاولى من أراد الاطّلاع فليراجع إليه.
و قوله (لم يسكنوا الأصلاب) و ما يتلوه من الجملات الثّلاث السّلبية إشارة إلى ارتفاعهم عن النقصانات البشرية، أى لم يسكنوا أصلاب الآباء (و لم يضمّنوا الأرحام) أى أرحام الامّهات يعني لم يخالطوا المحالّ المستقذرة (و لم يخلقوا من من ماء مهين) أى ضعيف حقير (و لم يشعبهم ريب المنون) أى لم يفرّقهم حوادث الدهر، و هو إشارة إلى سلامتهم من الأمراض و الأسقام البدنية العارضة للموادّ العنصرية المانعة من الاستغراق التامّ، و التّوجه الكلّي لشهود أنوار الحضرة الرّبوبية.
(و أنّهم على مكانهم منك و منزلتهم عندك) يعني أنهم على ما هم عليه من القرب و الزلفى (و استجماع أهوائهم فيك) أى كمال محبّتهم لك و رغبتهم و شوقهم اليك (و كثرة طاعتهم لك) بحيث لا يفترون عن تسبيحك و لا يسئمون عن تقديسك (و قلّة غفلتهم عن أمرك) التعبير بقلّة الغفلة لمحض المشاكلة و المقابلة بكثرة الطاعة، و إلّا فلا يتصوّر في حقّهم الغفلة كما يدلّ عليه قوله سبحانه:
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ.