منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٢ - الفائدة الاولى
و النهى عن المنكر، و مسارقة الطبع من الاخلاق الرديّة و الأعمال الخبيثة من جلساء السّوء.
و أمّا الدّنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرّض لها بالمخالطة كالنّظر إلى زهرة الدنيا و إقبال الخلق عليها و طمعه في النّاس و طمع النّاس فيه و انكشاف ستر مروته بالمخالطة و التأذّي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذّى بثقله و تشويه خلقته، و إلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة، فلنحصر ستّ فوائد:
الفائدة الاولى
التفرّغ للعبادة و الفكر و الاستيناس بمناجاة اللّه عن مناجاة الخلق و الاشتغال باستكشاف أسرار اللّه في أمر الدنيا و الآخرة و ملكوت السّماوات و الأرض، فانّ ذلك يستدعى فراغا و لا فراغ مع المخالطة، فالعزلة وسيلة إليه، و لذلك كان رسول اللّه ٦ في بدو أمره يتبتّل في جبل حرّا و يختار العزلة لنفسه حتى بعث و امر بالتبليغ، فخالط النّاس و كان ببدنه معهم و بقلبه مقبلا على اللّه، و لا يحجب مخالطتهم عن توجّهه بالباطن، و لن يسع الجمع بين المخالطة ظاهرا و الاقبال باطنا إلّا قوّة النبوّة و الولاية، فلا ينبغي أن يغترّ كلّ ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك، فانّ المخالطة مانعة لهم عن الفكر و الذكر، و العزلة أولى بهم.
و لذلك قيل لبعض الحكماء: ما الذى أرادوا بالخلوة و اختيار العزلة؟ فقال:
يستدعون بذلك دوام الفكرة و تثبّت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيّبة و يذوقوا حلاوة المعرفة.
و قيل لبعض الرّهبان: ما أصبرك على الوحدة؟ فقال: ما أنا وحدى أنا جليس اللّه تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه، و إذا شئت أن اناجيه صلّيت.
و قيل: بينما اويس القرني جالس إذا أتاه رجل فقال له اويس: ما جاء بك؟