منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٧ - المعنى
وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ.
(في نار لها كلب و لجب و لهب ساطع) أى لها شدّة و صوت و اشتعال مرتفع (و قصيف هائل) أى صوت شديد مخوف (لا يظعن مقيمها) بل كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها و قيل لهم ذوقوا عذاب النّار الذي كنتم به تكذّبون (و لا ينادى أسيرها) أى لا يؤخذ عنه الفدية فيخلص كأسراء الدّنيا (و لا تفصهم كبولها) و قيودها بل هى و ثيقة محكمة (لا مدّة للدّار فتفنى و لا أجل للقوم فيقضى) بل عذابها أبدىّ سرمديّ.
قال رسول اللّه ٦: يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيذبح بين الجنّة و النّار، و يقال: يا أهل الجنّة خلود بلا موت، و يا أهل النّار خلود بلا موت.
فيا أيّها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدّنيا المؤذنة بالزّوال و الانقضاء، دع التّفكر فيما أنت مرتحل عنه و اصرف الفكر الى موردك و مصيرك و قد اخبرت بأنّ النار مورد للجميع اذ قيل:
وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا.
فانت من الورود على يقين و من النّجاة في شكّ، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعدّ للنجاة منه، و تأمّل في حال الخلايق و قد قاسوا من دواهى القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها و أهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها، اذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب و أظلّت عليهم نار ذات لهب، و سمعوا لها زفيرا و جرجرة تفصح عن شدّة الغيظ و الغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالهلاك و العطب، و جثت الامم على الركب، حتى اشفق البرآء من سوء المنقلب، و خرج المنادى من الزّبانية قائلا أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدّنيا بطول الأمل