منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٨ - المعنى
المضيّع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، و يستقبلونه بعظائم التّهديد و يسوقونه الى العذاب الشّديد، و ينكسونه في قعر الجحيم، و يقولون له: ذق إنّك أنت العزيز الكريم.
فاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير، و يوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم، و مستقرّهم الجحيم، الزّبانية تقمعهم، و الهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، و مآلهم منها فكاك، قد شدّت أقدامهم إلى النواصي، و اسودّت وجوههم من ظلمة المعاصى.
ينادون من أكنافها، و يصيحون في أطرافها، يا مالك قد حقّ علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك اخرجنا منها فانّا لا نعود، فتقول الرّبانية لات حين أمان، لا خروج لكم من دار الهوان، فاخسئوا فيها و لا تكلّمون، و لو اخرجتم لكنتم الى ما نهيتم عنه تعودون، فعند ذلك يقنطون و على ما فرّطوا في جنب اللّه يتأسّفون، و لا يغنيهم الأسف و لا ينجيهم الندّم، اذ زلّت بهم القدم، بل يكبّون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، و النّار من تحتهم، و النار عن أيمانهم، و النّار عن شمائلهم. فهم غرقى في النّار، طعامهم و شرابهم نار، و لباسهم نار، و مهادهم نار.
فهم بين مقطعات النّيران، و سرابيل القطران، و ضرب المقامع، و ثقل السّلاسل، و هم يتجلجلون في مضايقها، و يتحطّمون في دركاتها، و يضطربون بين غواشيها، تغلي بهم النّار كغلى القدور، و يهتفون بالويل و العويل و الثبور، و مهما دعوا بذلك صبّ من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم و الجلود، و لهم مقامع من حديد، تهشم بها جباههم، فيتفجّر الصّديد من أفواههم، و تنقطع من العطش اكبادهم، و تسيل على الخدود أحداقهم و يسقط من الوجنات لحومها، و يتمعّط[١] من الأطراف جلودها، و كلّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها
[١] معط الشعر من باب تعب سقط.