منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢ - البحث الرابع
بالدّنيا، و غفلتهم عن الآخرة، كأنّهم كانوا منكرين. فنزّلهم منزلة المنكر بظهور امارة الانكار منهم، و أتى بالكلام مؤكدا إلى آخر الخطبة، و نحو ذلك كثير في الخطب المسوقة للتّنفير عن الدّنيا، و التّرغيب الى الآخرة، و ستعرف في شرح قوله ٧:
«فإنّه و اللّه الجدّ لا اللّعب و الحقّ لا الكذب و ما هو إلّا الموت» في الخطبة (قلب) انّ فيه عشرة أنواع من التّوكيد، و هو من خصايص كلامه ٧، و يجعل المنكر كغير المنكر إذا كان له من الدّلائل و الشّواهد ما إن تأمّله ارتدع عن انكاره مثل قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ^.
فانّ نفى الرّيب في القرآن ليس بمعنى أنّه لا يرتاب فيه أحد، بل بمعنى أنّه لا ينبغي أن يرتاب فيه، لأنّه من وضوح الدّلالة و سطوع البرهان، ليس محلّا لوقوع الارتياب، فكأنّه قيل هو ممّا لا ينبغي أن يرتاب في أنّه من عند اللّه، و هذا حكم صحيح لكن ينكره كثير من الأشقياء، فينبغي أن يؤكد، لكن ترك تأكيده، لأنّهم جعلوا كغير المنكر، لما معهم من الدلائل المزيلة لهذا الانكار لو تأمّلوها، و هو أنّه كلام معجز أتى به من دلّ على نبوّته بالمعجزات الباهرة، و مثله من كلام امير المؤمنين ٧ قوله في الخطبة (ب):
«و لهم خصائص حقّ الولاية، و فيهم الوصيّة و الوراثة» فانّ ترك التأكيد مع كثرة وجود المنكرين لاختصاص الولاية و الوضاية و الوراثة بآل محمّد : تنزيلا لهم منزلة غير المنكر على نحو ما ذكرناه في الآية.