منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٩ - الثالث
بسبب تموّجه، فهو إذن استعارة للبخار الصّاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول:
إن كلامه ٧ مطابق للفظ القرآن، و ذلك أنّ الزّبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته، إلّا أنّه ما دامت الكثافة غالبة عليه و هو باق على وجه الماء لم ينفصل، فانّه يخصّ باسم الزّبد، و ما لطف و غلبت عليه الأجزاء الهوائية فانفصل خصّ باسم البخار و إذا كان الزّبد بخارا و البخار هو المراد في القرآن الكريم كان مقصده و مقصد القرآن الكريم واحدا، فكان البخار المنفصل هو الذي تكوّنت عنه السّماوات، و الذي لم ينفصل هو الذي تكوّنت عنه الأرض.
و أمّا وجه المشابهة بين الدّخان و البخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه فهو أمر ان احدهما حسّي و هو الصّورة المشاهده من الدّخان و البخار حتّى لا يكاد يفرق بينهما في الحسّ البصري و الثاني معنويّ و هو كون البخار اجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة، كما أنّ الدّخان كذلك و لكن عن حرارة النار، فانّ الدّخان أيضا أجزاء مائية انفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار، فكان الاختلاف بينهما ليس إلّا بالسّبب، فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر انتهى كلامه قده.
أقول: هذا التّوجيه وجيه جدا إلّا أنّه ينافيه ما رواه الكليني في روضة الكافي باسناده عن محمّد بن عطية، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر ٧ من أهل الشّام من علمائهم، فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علىّ أن أجد أحد يفسّرها، و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس، فقال كلّ صنف منهم شيئا غير الذّي قال الصّنف الآخر، فقال له أبو جعفر ٧: ما ذاك؟ قال: فانّي أسألك عن أوّل ما خلق اللَّه من خلقه، فانّ بعض من سألته قال: القدر، و قال بعضهم: القلم و قال بعضهم: الرّوح، فقال أبو جعفر ٧: ما قالوا شيئا اخبرك أنّ اللَّه تبارك و تعالى كان و لا شيء غيره، و كان عزيزا و لا أحد كان قبل عزّه، و ذلك قوله:
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ