منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٤٨ - المعنى
لم يكن شيء من المبصرات و المسموعات في الأزل فلم يكن اللَّه سميعا و بصيرا في الأزل، إذ لا يعقل سماع المسموعات الحادثة و إبصار المبصرات الحادثة في الأزل و أجاب بقوله: قلنا: إنّه سميع و بصير في الأزل بمعنى أنّه كان على وجه إذا وجد المسموع و المبصر لإدراكهما عند وجودهما انتهى كلامه.
و توضيح ما أجاب به ما حكاه الشّارح المعتزلي عن أبي هاشم و أصحابه، حيث قال: إنّهم يطلقون عليه في الأزل أنّه سميع بصير و ليس هناك مسموع و لا مبصر، و معنى ذلك كونه بحال يصحّ منه إدراك المسموعات و المبصرات إذا وجدت و ذلك يرجع إلى كونه حيّا لا آفة به، و لا يطلقون عليه أنّه سامع مبصر في الأزل، لأن السّامع هو المدرك بالفعل لا بالقوّة، و كذلك المبصر.
و أنت بعد الخبرة بما ذكرناه، تعرف فساد جميع ما ذكروا من السّؤال و الجواب و ما حكيناه عن أبي هاشم و أصحابه.
أمّا السّؤال فلأن السمع و البصر حسبما عرفت عبارة عن العلم، و العلم بالشّيء غير متوقّف على وجوده، و قد يتحقّق ذلك في أفراد البشر، فكيف الباري الذي لا يخفى عليه شيء و أما الجواب، فلأن فيه اعترافا بورود السّؤال، و أنّه تعالى لا يدرك المسموع و المبصر قبل وجودهما، و إشعارا بأنّ فيه جلّ شانه استعدادا لحصول العلم و الادراك كما ينبّه عليه ما حكيناه عن أبي هاشم، من أنّ القول بذلك ضروري البطلان، حيث إن الصّفات الذّاتية الكمالية كلّها فعليّة في حقه سبحانه، و ليست شأنية كما برهن في محلّه.
فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّه سبحانه مدرك للمسموعات و المبصرات في الأزل، كادراكه لها في الأبد من غير تفاوت بينهما أصلا.
و يشهد به ما رواه في الكافي باسناده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللَّه ٧ يقول: لم يزل اللَّه عزّ و جلّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم، و السّمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدرة ذاته و لا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء، و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، و السّمع على المسموع، و البصر على المبصر،