منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٤ - المعنى
و ذلك ان الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بما يشاربه إلى الشّاهد المدرك، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار، فأشر أنت يا محمّد إلى إلهك الذي تدعو إليه حتّى نراه و ندركه لا ناله فيه، فانزل اللَّه تبارك و تعالى: قل هو إشارة إلى كونه تعالى عن ذلك بل هو يدرك الأبصار و هو اللّطيف الخبير، اللَّه معناه المعبود الذي اله الخلق عن ادراك ذاته، و الاحاطة بكنهه، أحد معناه الفرد المتفرّد الذي لا نظير له، و هاهنا لطيفة، و هي أنّ قوله: قل هو اللَّه أحد ثلاثة ألفاظ، كلّ منها إشارة إلى مقام من مقامات السّالكين:
المقام الأول مقام المقرّبين، و هو أعلى مقامات السائرين إلى اللَّه، و هؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيّات الأشياء و حقايقها، من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجودا في الحقيقة سوى اللَّه، لانحصار وجوب الوجود فيه، و كون ما عداه ممكنا فيكون هو إشارة إليه سبحانه، و لم يفتقر في تلك الاشارة إلى مميّز، لأنّ الحاجة إلى المميز إنما يحصل إذا كان هناك موجودان، و قد عرفت أنّهم ما شاهدوا بعقولهم إلا الواحد فقط، فكفى لفظ لفظة هو في حصول العرفان التام.
المقام الثّاني مقام أصحاب اليمين الذي أدون من المقام الأوّل، و ذلك أنّهم شاهدوا الحقّ موجودا، و شاهدوا الخلق موجودا، فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة هو كافية، فاحتاجوا إلى اقتران لفظة اللَّه بلفظة هو حتّى يحصل التميز.
المقام الثّالث مقام أصحاب الشّمال الذي هو أحسن المقامات، و هم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد، فقرن لفظ أحد بما تقديم ردّا على هؤلاء، و إبطالا لمقالتهم فقيل قل هو اللَّه أحد (و من قال فيم فقد ضمنه، و من قال على م فقد أخلى منه) هاتان القضيتان في تقدير شرطيّتين متّصلتين يراد بهما تنزيه الحق سبحانه عن مثل هذين الاستفهامين في حقّه. و تأديب الخلق أن لا يستفهموا عنه كذلك، و بيان المراد منهما باستثناء نقيض تاليهما، و حذف الاستثناء هاهنا