منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٣ - المعنى
ثمّ وجه الحسن في إضافة بعد الهمم، و غوص الفطن و قد مرّ أنّه من باب إضافة الصّفة بلفظ المصدر إلى الموصوف دون أن يقول كما هو الأصل: الهمم البعيدة، و الفطن الغائصة، أنّ المقصود لما كان هو المبالغة في عدم إصابة وصفه تعالي بالفطنة من حيث هي ذات غوص، و بالهمّة من حيث هي ذات بعد، كانت تلك الحيثيّة مقصودة بالقصد الأوّل، و البلاغة تقتضي تقديم الأهمّ و المقصود الأوّل على ما ليس بأهمّ على ما هو المقرّر عند أهل البيان، و يشهد له الأذواق السّليمة.
اذا عرفت ذلك فنقول: هاتان الفقرتان إشارتان إلى عدم إمكان إدراك ذاته، و الوصول إلى حقيقته و هو ممّا لا ريب فيه.
و برهانه ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم، قال: الأشياء لا تدرك إلّا بأمرين بالحواس و القلب، و الحواس إدراكها على ثلاثة معان: إدراك بالمداخلة، و إدراك بالمماسة، و إدراك بلا مداخلة و لا مماسة.
فامّا الادراك الذي بالمداخلة فالأصوات و المشام و الطعوم.
و أمّا الادراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التّربيع و التّثليث، و معرفة اللين و الخشن، و الحرّ و البرد.
و أمّا الادراك بلا مماسة و لا مداخلة فالبصر، فانّه يدرك الأشياء بلا مماسة و لا مداخلة في حيّز غيره لا في حيّزه، و إدراك البصر له سبيل و سبب، فسبيله الهواء، و سببه الضّياء، فاذا كان السّبيل متّصلا بينه و بين المرئي و السّبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان و الأشخاص، فاذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعا فحكى ما ورائه، كالنّاظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة، فاذا لم يكن له سبيل رجع راجعا و يحكي ما ورائه، و كذلك النّاظر إلى الماء الصّافي يرجع راجعا فيحكي ما ورائه، إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره، فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء، فهو يدرك جميع ما في الهواء و يتوهّمه، فاذا حمل القلب على ما ليس