منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٤ - المعنى
في الهواء موجودا، رجع راجعا فحكى ما في الهواء، فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجودا في الهواء من أمر التّوحيد، فانّه إن فعل ذلك لم يتوهم إلّا ما في الهواء موجود، كما قلنا في أمر البصر تعالى اللّه أن يشبهه خلقه انتهى.
توضيحه أنّ المدارك على كثرتها منحصرة في أمرين، لأنّ العوالم على كثرتها منحصرة في عالمين أحدهما عالم الدّنيا و الشّهادة، و الثاني عالم الغيب و الآخرة، فالمدرك لما في عالم الشّهادة هو إحدى الحواس الخمس، و المدرك لما في عالم الغيب هو القلب، و المراد بالقلب مجمع المشاعر الباطنة، أعني الخيال و الوهم و العقل.
أمّا مدركات الحواس فلا تتجاوز عن المحسوسات، و هي منحصرة في الجسم و الجسمانيات، و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك.
و أمّا مدركات القلوب فانّما هي منحصرة لما في الهواء، و المراد بالهواء هو الفضاء ما بين السّماء و الأرض، و لعل المراد به هنا عالم الامكان طولا و عرضا، و تسميته بالهواء من باب تسمية الكلّ باسم الجزء.
و أنّما قلنا إن المراد به ذلك، لأنّ إدراك القلب غير مقصور على مدركات الحواس، و لا مشروط بشرايط إدراك الحواس فيدرك جميع ما في الهواء بوساطة و لا بوساطة بالتّوهم، فاذا حمل القلب على إدراك ما ليس بموجود في الهواء يعود راجعا، فيخترع صورة من عنده، فيحكي لما ليس بموجود في العين بما يخترع في وهمه، و هكذا عادته في المواضع المظلمة و المخاوف، فلا بدّ للعاقل أن لا يحمل قلبه على إدراك ما ليس بموجود، كحمله على الموجود، و لا يحمل على ما ليس بمحسوس لأن لا يقع في غلط الوهم، و كذا من طلب إدراك الحق من طرق الحواس وقع في الزّيغ و الضّلال، فانّه سبحانه أجلّ و أعظم من أن يطلب و ينال من سبيل الحس و الخيال، و لذلك قال الباقر ٧: كلما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مصنوع مثلكم، مردود إليكم.
فقد تلخّص ممّا ذكرنا كله أن كلّ سابح في بحار جلاله غريق، و كلّ مدّع