منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٠ - المعنى
و المتانة و الجزالة و الحلاوة و الطلاقة و الرّقة و السلاسة ما قضيت منها العجب، بل لازلت معجبا بها أشدّ الاعجاب، مشعوفا بلطائف لم يخرق على مثلها للسمع حجاب، و عرفت أنّها لم تصدر إلّا عن ذي عارضة قويّة، و قريحة ملكوتية.
و إن نظرت إلى جانب المعنى عرفت عظم قدره، و بعد غوره، و شرف جوهره، و احتوائه لأنواع العلوم، و إبانته عن السّر المكتوم، و حكايته عن خبيّات الموجودات، و روايته عن خفيات المصنوعات، و توضيحه ما اشكل، و تفصيله ما اجمل، و تفسيره ما اعضل.
فمن اين لغيره ٧ هذه المادّة التي عبّرت هذه الألفاظ عنها.
و من اين يعرف أهل الجاهليّة الجهلاء، و العرب العرباء الذين هم سند البلاغة و عليهم استنادها هذه المطالب الغامضة، ليسفروا عن خمارها، أو يغوصوا في غمارها، و منتهى فصاحة أهل الجاهلية أنّهم يصفون بعيرا أو فرسا أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات، و نحو ذلك.
و أمّا غيرهم من الاسلاميّين كبديع الزّمان و علّامة همدان و أبي محمّد الحريري و ابن نباتة و سحبان الوائلي و من حذا حذوهم مع شدة ذكائهم، و غاية براعتهم، و انتقادهم، و اشتهارهم في حسن الصّياغة، ترى كلامهم متضمّنا لأباطيل اللّغو، و أضاليل اللّهو، و مشتملا على الجدّ و الهزل، و الرّقيق و الجزل، مفرغا في قالب الصّياغة على نهج التكلف، حيث ألجأهم رعاية الاسجاع و الجناس، و لحاظ التّطبيق و التّرصيع و المقابلة و نحوها إلى أن جعلوا المعاني تبعا للألفاظ، مع أنّ البليغ لا بدّ و أن يجعل اللّفظ قالبا للمعنى، فانّ اللّباس يقطع على قدر القامة، و على حد السّيف يؤخذ الغمد، فانّ المعاني إذا ارسلت على سجيّتها لم تكتس إلّا ما تليق بها، و لا تتلبّس الّا ما يزيّنها، و من تكلف لابداع المحاسن، أطلق على نفسه لسان العتب، مع ما تحمله من التّعب و أفضى به طلب الاحسان، إلى أشنع القبح، و أوقعه الولوع بالثّنآء عليه في ورطة القدح.