دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٣ - الكلام في الجاهل العامل قبل الفحص بامور
و من أنّ الواقع إذا كان في علم اللّه سبحانه غير ممكن الوصول إليه و كان هنا طريق مجعول مؤدّاه بدلا عنه، فالمكلّف به هو مؤدّى الطريق دون الواقع على ما هو عليه، فكيف يعاقب اللّه سبحانه على شرب العصير من يعلم أنّه لم يعثر بعد الفحص على دليل حرمته؟
و من أنّ كلّا من الواقع و مؤدّى الطريق تكليف واقعي. أمّا إذا كان التكليف ثابتا في الواقع، فلأنّه كان قادرا على موافقة الواقع بالاحتياط و على إسقاطه عن نفسه بالرجوع إلى الطريق الشرعي المفروض دلالته على نفي التكليف، فإذا لم يفعل شيئا منهما فلا مانع من
وجود الطريق المخالف للحكم الواقعي في الواقع لا يجدي في المعذوريّة، كما في بحر الفوائد.
إذا عرفت هذه المقدّمة يتّضح لك أنّ الجاهل العامل بالبراءة قبل الفحص لم يتوفر فيه إحدى هاتين الحالتين؛ إمّا لعدم كونه من الصنف الأوّل فلا يحتاج إلى البيان، إذ المفروض عدم كونه متفحّصا عن الدليل، و إمّا لعدم كونه من الصنف الثاني، فمن جهة أنّ المفروض عدم كون مخالفته مستندة إلى الطريق المعتبر شرعا، و ذلك لعدم عثوره عليه، (و ليس التكليف بالطرق الظاهريّة إلّا من عثر عليها).
و المفروض في المقام عدم عثوره عليها، فيعاقب حينئذ على شرب العصير العنبي المحرّم واقعا، كما في المثال المذكور في المتن، و قد أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى تعليل الوجه الثاني بقوله:
(و من أنّ الواقع إذا كان في علم اللّه سبحانه غير ممكن الوصول إليه و كان هنا طريق مجعول مؤدّاه بدلا عنه).
و حاصل التعليل كما في بحر الفوائد: إنّ هذا الوجه مبني على منع تنجّز التكليف بالواقع الذي ليس هناك طريق في علم اللّه لمعرفته، و إنّما المنجّز في حقّه مفاد الطريق الذي يعثر عليه بعد الفحص في علم اللّه، حيث إنّ مفاده حكم شرعي إلهي و إن كان ظاهريّا، و لا فرق في وجوب الإطاعة في الأحكام الإلزاميّة بين الواقعيّة و الظاهريّة، فيعاقب حينئذ على مخالفة الطريق المعتبر شرعا، و أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى تعليل الوجه الثالث بقوله:
(و من أنّ كلّا من الواقع و مؤدّى الطريق تكليف واقعي ... إلى آخره).